جلست كقطعةِ حجرٍ تتأمل الماضي وتنسج الذكريات بعمرٍ رحل وربما لن يعود إلا ليغتال ما تبقى من أحلامها..شيءٌ من الحزن طفا على وجهها كرسالةِ نهاية لجميع
ما كان وما سيكون!
تقف أمام المرآة..تنظر لوجهها وكأنها تراه لأول مرة... تحاول محو كل علامة كبر تظهر عليه، وترسم ملامح ملونة لم تعهدها من قبل... تضع الوردي والأخضر... الأبيض والأسود... وكل لون يظهر أنها سعيدة وليست بحاجة ليد القدر.
موعد عند العاشرة مساء ينتظرها كباب ذاكرة يرغب في أن يفتح آلامه عليها... تتساءل كيف يمكن لنا أن نحجز موعدا مع الماضي ونتزين للقائه ونسأل
أنفسنا "هل سنعجبه؟" وننسى أنه من حطمنا يوما؟
تتقدم خطوتين نحو الباب وهي مكللة بكل ألوان الحياة، حاولت جمع كل ما يمكن أن يظهر الفرح عليها لتنطلق لموعد العاشرة... والوقت في هذه المرة سينتظرها إلى أن تنتهي من وضع حدٍ لتدفق الذكريات القاسية، وهي تحاول أن تتفاءل بخدعة أنه لن يخذلها ككل مرة، فهي على موعدٍ مع الزمن والزمن لا يحطم نفسه بيديه.
تفكر!
ربما كان للوقت دور في استئصال جرحها وإهدائها كمية كافية من الصبر والنسيان معا، فالعمر عندها لم يتعدى السنوات التي افترقت فيها عن نصف حياتها... لتعش
بنصف وجه ونصف قلب.
تعاود الأيام تجريحها من جديد، فتعود السنين التي كتبتها امرأة من عمرٍ ضائع لتذكرها بسنوات وحشتها، وتبدأ العد عشر سنين هي مقدار آلامها...
عشرٌ تغيرت فيها الحياة، وغيرت تاريخها معها...
هي، لطالما أحبت التاريخ وتمنت لو أنها مؤرخة ٌ لقصص النجاح... وهي التي دافعت عن التاريخ يوما عندما ساهم في الحرب ضد رغباتها بقولها إنه أخطأ الهدف
الآن! بعد كل هذا الصراخ الخاوي من التأريخ الحقيقيّ يأتي تاريخها مكللا بالفشل...
معتذرا لها، لأنه لن يكتبه أحد... ولن يهتم بدراسته أحد..وهو ما عاد طبقا من تفوق بل هو مجرد عمر تحول إلى أسطورة لا معنى لها منذ عشر سنين.
تنظر للساعة المعلقة على الجدار قبل أن تخرج... مازال الوقت مبكرا على فتح جراحاتها، إنها الثامنة وهي لم تتوصل بعد للجواب... لماذا أبكرت في تحضير الأمس؟
تعرف أنها ليست بحاجة لمزيدٍ من اللقاءات القديمة، وتعرف أن حاضرها يكفي لأن تجعل حولها خندقا من الآهات... فلماذا أتى؟ وكيف عرف أنها مازالت..على قيدِ
الحب؟
***
ترفع رايات الاستسلام، وتجلس على طاولةٍ لم تعتد على وجودهما... معا
تنظر إليهما كغريبين جلسا عليها ولم يتعرفا على بعضهما البعض، وتسأل "هل هو
متأكدٌ من أنها هي التي ينتظرها؟"...
تحاول استراق مشهدٍ واقعيّ يتكرر ألف مرة، ليكون لها السبق في افتعال الجرح...
ولا شيء جديد!
كان الصمت سيد الحاضرين، وموسيقى بحيرة البجع..سيدة الحزن، وسيدة الحضور
طاغية... غاضبة... محتالة
جاءت موسيقى بيتهوفن... جاءت لوحة تعبر عن عينيها وعينيه
هو، هادئٌ كعادته... رائعٌ كجنة آخرة... وطنٌ كالذي لا تسكنه
تنظر إليه بخجل وخوف، تحاول أن تجعله يتأكد من أنها "هي" التي دعاها لهذا
المكان
تبدأ كما لم يعرفها "أنا..."
يقاطعها بشيءٍ من الدهشة
"لم أكن أنتظركِ!"...
العدد 1662 - الأحد 25 مارس 2007م الموافق 06 ربيع الاول 1428هـ