العدد 1694 - الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ

الخطيب العدناني... ذكريات وخواطر

عرفته وأنا دون السادسة أو السابعة من عمري، خلال اختلافي إلى مأتم القرية وهو يخطب على المنبر الحسيني ذاكرا مصائب أهل البيت (ع) ومحييا لأمرهم بأزيد ما يحيا أمر من الأمور، فعلقت كلماته ومجالسه الحسينية في وعيي وانطبعت في فكري وكبرت وكبر حب المأتم ومجالس «السيد» في قلبي وعقلي.

كان فارسا من فرسان المنبر الحسيني على مستوى البحرين والمنطقة، وخطيبا ألمعيا ذاع صيته في الأمصار، ناشرا فكر وثقافة أهل البيت (ع) وظلامتهم وما جرى عليهم من محن ومصائب.

إذا أردت العلم فهو عالم ابن علماء، وسيد ابن سادة، يصل نسبه إلى الإمام موسى بن جعفر (ع)، رضع من ثدي مدرسة الإمامة مذ كان يافعا وتربى في حضن الحسين (ع) فكرا وثقافة ووعيا، مستبصرا بظلامته وأحقيته.

وإذا أردت الأدب وفنون القريض، فهو الأديب المتضلع، والشاعر المتمرس، وصاحب القريحة المتدفقة والعاطفة المتوهجة بذكر أهل البيت (ع) وبشتى مجالات الأدب وفنونه.

وهو الكاتب الكبير والمؤلف القدير الذي أعطى المكتبة الإسلامية من فكره ومؤلفاته، وأغنى الحقل المعرفي والثقافي من قلمه المعطاء في زمن قل فيه الكتاب على الساحة ممن ينتجون ويكتبون ويثرون المسرح الفكري من نتاجهم وإبداعاتهم.

وإذا أردت الفصاحة والنباهة والسماحة فهو أستاذها وقائدها على استحقاق، ويظهر لك ذلك بجلاء في خطبه ومجالسه الحسينية، وكان إلى أواخر عمره وحياته محتفظا بذكائه المعهود وسرعة بديهته وذاكرته الحديد، وكأنه في ريعان الشباب في مظهر قل أن يرى فيمن وصل عمره إلى العقد السابع أو الثامن.

تخطرني مجالسه الحسينية الشيقة المختزنة في روحها شتى صنوف وضروب الخطابة الجاذبة إلى المستمع من قبيل الأدب والشعر والنوادر والحوادث التأريخية والسياسة والاجتماعية، فكان بحق موسوعة معرفية متكاملة لما يحمله في عقله من معلومات متعددة في مختلف مجالات العلم والمعرفة. فكان مجلسه الحسيني يمتاز بالتنوع المعرفي «السهل الممتنع» الذي يفهمه ويتلقاه الناس بشتى درجاتهم الثقافية من كبار السن، مرورا بالشباب المثقف وانتهاء بالأطفال واليافعين، وهذه دلالة واضحة على استطاعته الكبيرة في إيصال المعلومة إلى المتلقين بشرائحهم المتنوعة بسلاسة واقتدار من غير تكلف ولا صعوبة في الكلام.

وهناك جنبة رائعة من جنبات السيد الخطابية التي تفرد فيها من دون أقرانه من خطباء المنبر الحسيني، وهي جنبة التراث وإحياء الموروث التراثي، ومزجه بخطاب معاصر راق، في مشهد إبداعي متمايز ومغاير عن خطباء حسينيين كثر، بلحاظ أن الخطيب العدناني من الرعيل الأول من خطباء البحرين التراثيين، الذي سبق عصره بكثير من خلال أسلوبه المنبري وخطابه الراقي.

وإذا كان السيد العدناني (رح) قد ترك أثرا واضحا في مسيرة خطابته الحسينية على الناس، فهذا الأثر تلمسه جليا وواضحا في جنبات وزوايا قرية سماهيج في منظومة الإنسان الروحية والعقيدية التي تربطه بذكر أهل البيت (ع).

السيد العدناني قرأ على المنبر الحسيني في سماهيج زهاء الثلاثة عقود ونيف من الزمن، فنشأت على خطابته أجيال وترعرعت على يديه وتحت منبره رجالات كثيرة وشباب كثر، وتمازجت مجالسه الحسينية في فكر ووعي الناس من رجال ونساء وشباب وأطفال.

أستذكر نسوة القرية «العجائز» يستمعون إلى خطابته في دروب القرية بجنب البيوتات وصوب المأتم وخصوصا في مناسبة عاشوراء.

أستذكر الأجواء العاشورائية المغايرة التي تختلط فيها نكهة التراث، مع نكهة التفاعل الوجداني، مع ذكريات أهل البيت (ع)، مع الملامح العادية للناس، مع الدروب المتواضعة والبناء المتواضع للمأتم... كل هذه العناصر مجتمعة تعكس أجواء روحانية غير اعتيادية في مجالس الخطيب العدناني، وترسم ملامح ذكرى انطبعت في نفسية وضمير قرية سماهيج وأناسها لن تمحى من الذاكرة إلى الأبد.

ميثم علي مسعود

العدد 1694 - الخميس 26 أبريل 2007م الموافق 08 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً