لعل أكثر ما يدعو للاستغراب والتساؤل في الردود الحكومية الثلاثة هي صدورها بعد 72 ساعة من نشر الخبر المتعلق بالحديث الدائر عن بيع فشت الجارم بمبلغ 785 مليون دولار لجهات غير بحرينية, فإن كانت الجهات الحكومية المعنية تلك لم تقرأ ما نشر إلا بعد ثلاثة أيام فتلك مصيبة، وإن قرأت الخبر واحتاجت إلى ثلاثة أيام للرد عليه فالمصيبة من دون أدنى ريب أعظم وأدهى.
«الوسط» نشرت موضوع فشت الجارم يوم الأحد الموافق 13 مايو/ أيار الجاري, ولم تطرق ردود السجل العقاري، ووزارة الإعلام، ووزارة البلديات وشئون الزراعة باب «الوسط» إلا مساء الاثنين! ليتم نشرها يوم الثلثاء أي بعد 72 ساعة من نشر الخبر، وعلى رأس ما ورد في أحد الردود الثلاثة وتحديدا رد وزارة شئون البلديات والزراعة هو «كانت تتمنى على الصحيفة التي نشرت الخبر من دون التحقق في صحته الرجوع إلى الوزارة المعنية قبل نشر أية معلومات مغلوطة من شأنها أن (...)»، لكن الوقائع تنفي هذا الادعاء وتسرد هنا مسلسل الاتصالات مع عدد من الجهات الرسمية التي رفضت التعليق على الموضوع، وآثرت الصمت ثلاثة أيام لتنطق فجأة، بعد أن اخذ الموضوع بعدا برلمانيا.
كان أول الوزراء الذين طلبت منهم «الوسط» تعليقا على ما أثير بشأن الفشت هو وزير شئون البلديات والزراعة, وأول اتصال به كان يوم الأحد، إذ بدا مصرا على إنه ليس الوزير المعني ولا المختص بملكية فشت الجارم، وقال حرفيا لأحد المحررين المكلفين بتغطية الموضوع: «أخلي مسئوليتي من بيع فشت الجارم أو أي فشت آخر»! الأمر الذي دعا الصحيفة (في اليوم التالي لرفضه التصريح) الى تكليف رئيس قسم المحليات للقيام بزيارة إلى مكتبه بمبنى الوزارة في المنامة، وجرى اللقاء بينهما الذي استمر لنحو ساعة، كان فيه «الوسط» تحاول الحصول على تصريح بشأن الموضوع، إلا أن الوزير جدد إصراره على عدم اختصاصه بالموضوع، وأنه لا يمكن أن يعلق على موضوع خارج اختصاصه!
فهل هذه الوقائع كافية لتؤكد محاولة الصحيفة للرجوع الى الجهات الرسمية؟، أم أن هناك مسئولين آخرين يمكن للصحيفة الرجوع اليهم غير وزير البلديات الذي أكد في رده أن «وزارة البلديات والزراعة كانت تتمنى على الصحيفة التي نشرت الخبر من دون التحقق في صحته الرجوع إلى الوزارة المعنية قبل نشر أية معلومات مغلوطة من شأنها أن (...) الى آخر الرد»؟.
ما يدعو للدهشة هو أن الوزير نفى اختصاصه صباحا، وأكده مساء! بعد أن أصدر بيانا في الساعة الثامنة من مساء يوم الاثنين يؤكد فيه «أن وزارة البلديات هي الجهة المختصة»! ما دعا رئيس قسم المحليات الى الاتصال به على الفور لمعرفة سبب تغيير رأيه بعد ساعات من ذلك اللقاء، وكيف صار مختصا بعد نفي قاطع بعدم اختصاصه، فأجاب الوزير بـ»قهقهة» أعقبها بالقول «بحثنا في الموضوع وتبين أننا أهل الاختصاص!».
لم تقف محاولات «الوسط» في الحصول على تصريح رسمي عند باب وزير شئون البلديات والزراعة والاتصالات المتكررة له، بل قامت بالاتصال أيضا بأحد الوزراء ممن تلمح بعض القوانين الى أنه هو الوزير المختص، فكانت حكاية أخرى لا تقل شأنا عن سابقتها, فكان هذا الحوار:
«الوسط»: مرحبا سعادة الوزير...
الوزير: مرحبا من معي؟
«الوسط»: معك رئيس قسم المحليات في صحيفة الوسط.
الوزير: أهلا وسهلا.
«الوسط»: أولا نأسف على إزعاجك في هذا الوقت، ولدينا استفسار نود تعليقكم عليه.
الوزير: تفضل...
«الوسط»: تعلمون أهمية ما أثير بشأن فشت الجارم، وعلى اعتبار أنكم الوزير المعني حسب التغييرات الأخيرة لذلك نأمل بتعليق منكم على الموضوع إن أمكن؟.
الوزير: لأن الموضوع مهم جدا لا يمكن الإجابة عليه عن طريق الهاتف، لذلك أطلب منك إرسال السؤال على هذا الفاكس......... .
«الوسط»: ولكننا نأمل الحصول على التعليق اليوم (وكان ظهر الاثنين) لأننا نحتاج إلى تعليق رسمي سعادة الوزير؟
الوزير: لا أعتقد أن اليوم ممكن لأنني أحتاج للرجوع إلى (....) ولكن سأحاول، وإن لم أتمكن فسأرسل الإجابة غدا (الثلثاء).
«الوسط»: شكرا سعادة الوزير على تعاونك, ونأسف مجددا على إزعاجك.
الوزير: عفوا مع السلامة...
وفعلا قامت «الوسط» بإرسال السؤال فورا على فاكس الوزير, ولديها ما يثبت ذلك من خلال التقرير المؤرخ، إلا أن الوزير المعني لم يرد على السؤال لا يوم الاثنين، ولا يوم الثلثاء!، ولم يعتذر حتى عن الإجابة على السؤال!، فهل ما زالت «الوسط» لم تحاول الرجوع إلى الجهات المعنية؟
فإذا ما زلنا لم «نحاول الرجوع الى الجهات المعنية»، فهل تتمكن الجهات الرسمية من أن توضح لنا وللصحافة آلية الرجوع إلى الجهات الرسمية؟، وكيف يمكن لنا إذا أن نحصل على تعليق الجهات الرسمية؟، وهل يمكن أيضا أن نتعرف على الأسلوب الذي يتبعه الوزراء في التواصل مع الصحافة ووسائل الإعلام، وخصوصا في ظل توجيهات جلالة الملك المتعاقبة على ضرورة فتح الأبواب أمام الصحافة، وإعطائها فرصة التحدث مع المسئولين، واعتبارها شريكا حقيقيا يمكن الاعتماد عليه في توجيه الرأي العام نحو الوطنية المنشودة، بدلا من كيل الاتهامات للصحافة بأنها «تثير البلبلة وتؤثر سلبيا على الشأن الوطني» حسب ما ذكر وزير البلديات في بيانه المفاجئ!. ومع ذلك لم تكل «الوسط» ولم تمل من محاولة الحصول على تصريح رسمي من أحد المسئولين، يمكن أن يوضح رأي الجهات المعنية بالموضوع للرأي العام، فقامت بالاتصال بوزير ثالث معني بجزء من الموضوع، إلا أن الأخير أيضا آثر الصمت، وقال: «لن أعلق» ومع تكرار المحاولة معه أكد أنه ليس مختصا أبدا، ولا علاقة له به، رافضا التعليق. على رغم كل ذلك الصدود فقد اتصلت «الوسط» بعدد من الوزراء الآخرين الذين كان بعضهم خارج البلاد، وبعضهم الآخر كان يؤثر عدم الرد على الهاتف. فهل مازالت «الوسط» معنية بـ «أنها لم تكلف نفسها الرجوع إلى الجهات الرسمية», حسب ما أفاد رد وزير البلديات!.
العدد 1713 - الثلثاء 15 مايو 2007م الموافق 27 ربيع الثاني 1428هـ