العدد 1716 - الجمعة 18 مايو 2007م الموافق 01 جمادى الأولى 1428هـ

سقوط للمنزل وتفرج من «بلدي الوسطى»... والضحايا أيتام

«الوسط» تفتح ملف «الفقر»... (11)

البحرين لا تحمل على رقعتها الجغرافية جبالا غير أنها تحمل على رقعتها الاجتماعية جبالا راسيات من قصص الفقر الذي لم ينل من وطنية أصحابه، وولائهم لهذا التراب العربي المسلم، الذي تحدوا الصعاب حبا فيه ولم يتمنوا أبدا أن يعيشوا خارجه ليكونوا في حال أفضل، هؤلاء هم فقراء الوطن الذين «تحسبهم أغنياء من التعفف» فهم أغنياء بعزتهم ووطنيتهم وتضحياتهم كل يوم وهم يتحدون الحرمان من أجل البقاء على أرض وطنهم البحرين.

أولئك المعدمون الذين يعيشون في مقابر تسمى «منازل» وبعض الأحيان «فللا»، كما يُدون ذلك في البطاقة الشخصية، هم يعيشون على أرض «نفطية» كما تصفها التقارير الاقتصادية العالمية، وطالما سمع أولئك المعدمون عن ارتفاع أسعار النفط التي بلغت ذروتها من 18 دولارا إلى 70 دولارا قبل أن تتراجع قليلا، كما سمعوا أن الارتفاع حقق فائضا كبيرا في الموازنة العامة وصل بحسب الأرقام الرسمية للدولة في العام 2004 إلى 145 مليون دينار، وارتفع في العام 2005 إلى 382 مليون دينار، وبحسب مراقبين اقتصاديين فإن الفائض بسبب ارتفاع أسعار النفط سيكون أكثر من 400 مليون دينار وبلغ دخل البحرين النفطي بحسب اقتصادي عربي 2.2 مليار دينار غير أنهم «في عافية من ذلك كله»! لم يروا ذلك في واقعهم، كما أن فقرهم ازداد وتهالكت «فللهم»، بحسب رواية الجهاز المركزي للإحصاء أكثر مما كانت عليه من التهالك! فهي خرائب لا تقي من الحر فضلا عن البرد! نحن نتحدث عن أناس يعيشون بيننا، عن أناس يعيشون في البحرين بعد 70 عاما من اكتشاف النفط.

نعم، في البحرين التي تشيد فيها عشرات المباني الضخمة، في البحرين التي يزداد فيها الغني غنى بينما يزداد الفقير فقرا.

«الوسط» تفتح هذا الملف من منطلق رسالتها الإنسانية والمبدئية والوطنية رافعة صوتهم علها تستطيع أن تغير من حالهم التي أقل ما توصف بأنها مأسوية، غياب للحكومة وغياب للصناديق الخيرية وحال سببها إهمال الدولة وغياب دور الصندوق الخيري.

توجهنا اليوم إلى منطقة عالي... كنا نعلم أن في انتظارنا ألما وحرمانا لا غيرهما غير أننا مهما استعددنا لمواجهة تلك المواقف تبقى إنسانيتنا بداخلنا تتحكم فينا وفي شعورنا لنشعر بمأساة من قمنا بزيارتهم غير أن من كانت «رجوله في الماي البارد غير اللي رجوله في الماي الحار»، فهم يكتوون بنار الجوع والفقر والحرمان والظلم والبطالة، ولسنا إلا أشخاصا نحاول أن نواسيهم ونرفع معاناتهم.

من منزل إلى آخر

جلست سهيلة ذات الـ 42 عاما على طابوق المنزل (الجديد - القديم) الذي آواها وآوى أبناءها السبعة لنحو 23 عاما، وبدأت تسرد قصتها مع المنزل، قائلة: «عشت سنواتي الأولى من زواجي متنقلة من إيجار إلى آخر حتى جاء زوجي المرحوم عبدالرضا علي الفرج من خلال (بيت إسكان) في عالي، قضيت فيه عمري وأنا أربي أبنائي»، مضيفة أن «الأيام مرت وتهالك المنزل وأصبح قديما وبدأت الأسقف في السقوط، والأمطار بدأت تتلف الجدران، حتى أننا لجأنا إلى استخدام الأواني الخاصة بالطبخ من أجل تجميع مياه الأمطار في كل شتاء بعد أن كانت تتسرب إلى داخل الغرف».

ولم تنس سهيلة أن تشير إلى نمو وتكاثر الحشرات والديدان التي تركت آثارها في المنزل، فيستمر ذلك الوضع سنوات عدة إلى أن جاء ذلك اليوم الذي سقطت فيه أجزاء من المنزل.

قصة المجلس البلدي

استقبلت سهيلة «الوسط» قبل ذلك في المنزل الذي تعيش فيه بالإيجار، وانطلقنا متوجهين إلى منزلها القديم، وقبل ذلك سألت سهيلة ابنتها ساجدة هل تأتين معنا، فأجابتها: لا أريد ذلك، أخشى أن أبكي إذا رأيت المنزل.

وقالت سهيلة إنها بدأت في مراجعة المجلس البلدي للمحافظة الوسطى وقدمت أوراقها في ذلك الوقت إلى ممثل الدائرة الثانية سيدعبدالله العالي، الذي وعدها مرارا بإعادة بناء منزلها، إلا أن التأجيل المتكرر للنظر في ملفها ساعد القدر على رمي قسوته على هؤلاء السبعة.

وتشرح سهيلة معاناتها مع المجلس البلدي، فتؤكد أنها تعبت وهي تراجعه لدرجة أنها لا تستطيع عد عدد المرات التي ذهبت فيها هناك، مشددة على أنه «لا حجة لهم، من عدم مراجعتي لهم خلال 4 السنوات الماضية».

البناء متوقف منذ 9 أشهر

واسترسلت سهيلة في حديثها إلى «الوسط»، قائلة: «الأمور بدأت تتعقد والوضع تحول من سيئ إلى أسوأ فاستشرت جميع أبنائي في الحل في ظل نسيان المجلس البلدي حالتنا إلى أن توصلنا إلى صرف حقوق زوجي المرحوم التي يبلغ مقدارها نحو 8 آلاف دينار، والتي تعتبر في الواقع أموال أيتام من شأنها أن تساعدهم في حياتهم اليومية... وافق جميع أبنائي على اعتماد الحل الذي توصلنا إليه وهو هدم وإعادة بناء المنزل فخرجنا منه لنعيش في منزل إيجار حتى يبدأ المقاول في أعمال البناء... لكن البناء سرعان ما توقف منذ أكثر من 9 أشهر حتى الآن لعدم امتلاكنا النقود التي تعيننا على الانتهاء منه».

وعندما توجهت سهيلة لتبلغ المجلس البلدي بأنها يئست منه واضطرت للبدء في بنائه أجابها أحد الأعضاء قائلا:» تريدينا أن نساعدك ونحن لانزال ننتظر رواتبنا من الحكومة؟» وبذلك ضاعت سهيلة مؤكدة أن «المجلس البلدي هو السبب في المأزق الذي تعيشه، بينما قام ببناء منازل كثيرة منها من كان طلبه للترميم بعدها».

الملابس مكانها حقائب السفر!

ومنذ لحظة خروج سهيلة من منزلها بدأت المعاناة الحقيقية للأبناء الذين يعيشون في منزل صغير، إذ ينام 5 أفراد في غرفة واحدة، ولا يمتلكون أدراجا وخزائن لملابسهم فهي تضع ملابسهم في حقائب سفر، وفي وخزانة تمتلكها قبل زواجها، بينما تؤكد سهيلة أن كل ذلك ليس مهما أمام الانتهاء من بناء المنزل.

وفي الوقت الحالي تعيش سهيلة و6 من أبنائها في منزل إيجار كانت تدفع لأصحابه في السابق 150 دينارا، إلا أنهم رأفة منهم بحالها خفضوا الإيجار إلى 100 دينار.

أما ابنها الأكبر فبعد أن تزوج ذهب للعيش في منزل والد زوجته، بينما يظل هو الآخر يعيش على أمل الحصول على بيت إسكان.

7 آلاف دينار تنهي المشكلة

وعن حالتها المادية قالت سهيلة «لا أستطيع أن أتحدث عن أي أمر مادي لأنني أحمد الله سبحانه وتعالى على كل شيء، وأستطيع أن أقضي أيامي بأكل ومن دونه، وإن تحدثنا بشكل واقعي فأنا لست بحاجة إلى سكر وأرز وملابس... صحيح أن فاتورة كهرباء منزلنا السابق لم تدفع حتى الآن، وقيمة متأخراتها تبلغ 300 دينار، إلا أن كل ذلك ليس مهما عندي أمام أن يكتمل بناء المنزل الذي يكلف نحو 7 آلاف دينار».

سهيلة تقضي الليالي والأيام وهي تفكر في مصير أبنائها الطموحين والذين إذا أعطتهم نقودا ليصرفوها فإنهم يرجعونها إلى أمهم فيقولون لها: «نريد أن نعود إلى منزلنا في أسرع وقت، ادخري هذه النقود لبناء طابوق المنزل لأننا نتمنى الرجوع إلى منزلنا الحقيقي».

في انتظار الفرج

وتؤكد سهيلة أنها ضاعت بسبب تأخر المجلس البلدي في النظر لملفها، وتساءلت ما الذي يفعله المجلس البلدي في الملفات، في الوقت الذي قالت فيه انها راجعت الديوان الملكي والمجلس الأعلى للمرأة والكثير من الجمعيات الخيرية من أجل مساعدتها، ومن بينها صندوق إسكان عالي الخيري الذي أعطاها مبلغ 200 دينار لتدفع بها جزءا من ديونها للمقاول، لكنه لم يضف الكثير.

وأكدت لـ«الوسط» أن جميع جيرانها في الحي الذي تسكنه هدموا منازلهم من أساسها وأعادوا بناءها، حتى التي كان بإمكان أصحابها أن يرمموها، وذلك من أجل أن تبين الحال التي وصل إليها منزلها.

أما عن وزارة الأشغال والإسكان فأكدت سهيلة أن الوزارة رفضت إعطاءها قرضا إسكانيا من أجل إتمام البناء لأنها لا تمتلك راتبا شهريا، لافتة إلى أن ابنها الأكبر وعلى رغم تردي وضعه المادي إلا أنه يفكر في الحصول على قرض من أحد المصارف التجارية لإتمام البناء، مشيرة إلى أن أفراد عائلتها لا يمكنهم مساعدتها بشيء لأنهم لا يملكون.

ساجدة: حياتنا الحالية «ذل»

وتحدثت ساجدة (إحدى بنات المرحوم عبدالرضا) لـ«الوسط» بعد أن نادتها أمها معبرة عن عميق حزنها لأنها ليست في منزلها، بينما جلست والدتها تبكي وتمسح دموعها من على خديها أسفا على التشرد الذي أصاب أبناءها، قائلة: «انها تنام مع أختها في غرفة واحدة»، فسألتها: وماذا عن أختكما الصغرى؟ هل تنام معكما؟ لتجيب: «كلا، لأننا أكبر بكثير منها ولدينا خصوصيات فلا نرضى وهي طفلة نخاف أن تتلف حاجياتنا وتعبث فيها، لكنني أنتظر العودة إلى المنزل لنستقر مجددا»، آملة أن تعود إلى منزلها خلال العام الجاري، بل في أسرع وقت، وخصوصا أنها تعتبر أن حياتها الحالية مصحوبة بـ»ذل».

معاناة شاب طموح

أما الابن الثاني لسهيلة والبالغ من العمر 24 عاما فيعاني من إعاقة ولين ليست شديدة، ومع ذلك فإنه لم يحصل على أي وظيفة، على رغم أنه سجل في المشروع الوطني للتوظيف، فتقول سهيلة إن «ابني طموح جدا، وتعرض للفصل من المدرسة لأكثر من مرة، لكن طموحه غلب عليه وواصل الدراسة في التعليم المسائي حتى أكملها، ليتوجه للعمل في أي شيء من أجل أن يتمم بناء المنزل، وذلك بحسب ما يتمناه»، مؤكدة أنه «لولا أن أحد الشباب رآه وأخذه إلى العمل في شركة تنظيفات لكانت حالته النفسية الآن سيئة جدا، وخصوصا أنه يحلم بالعودة إلى المنزل من أجل أن يستقر»، متسائلة عن الدور الذي تقوم به الجهات المعنية بتوفير وظائف لهذه الفئة؟

البحث عن إجابات

في ختام لقائنا معها لم تستطع سهيلة أن تخبئ أسئلة كان تدور في عقلها فسألت: «كيف للأغنياء أن يناموا ويوجد أيتام ينامون ودموعهم على خدودهم؟ ومن يقول انه لا يوجد فقراء في البحرين؟ وأين شرفاء هذا الوطن والذين يبحثون عن الثواب ليوم القيامة، بينما كل ما أحتاجه هو حجر (كنكري) وإسمنت وطابوق حتى يكتمل بناء منزل أبنائي وأوصلهم لمنزلهم بعد أن أبرئ ذمتي».

العدد 1716 - الجمعة 18 مايو 2007م الموافق 01 جمادى الأولى 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً