العدد 1802 - الأحد 12 أغسطس 2007م الموافق 28 رجب 1428هـ

الاستقلال ثمرة الوحدة الوطنية... لماذا تضعف «قوة الطائفتين» اليوم؟

تجربة «الهيئة» في الخمسينات مضت ولم تتكرر

مثلت هيئة الاتحاد الوطني في مرحلة الخمسينات من القرن الماضي، التجربة الريادية الوحدوية الأولى والأكبر والأنجح في تاريخ البحرين للتلاحم بين الطائفتين الكريمتين في البلاد، مسجلة بذلك مرحلة نضالية مشرفة في تاريخ البحرين باعتبارها أصدق شعارا وأكمل فكرا وأخلص عملا من أجل الوطن.

لكن، لماذا لم تتكرر التجربة على رغم توافر أجواء وفرص ربما لم تكن متوافرة آنذاك، وقت انطلاق اليد الواحدة للهيئة؟ فالمشروع الإصلاحي في البلاد اليوم، يعد أكبر داعم لإعادة روح العمل الوطني المشترك بين أبناء الشعب، ويوحد الطائفتين الكريمتين تحت مظلة الحكومة، فبدلا من أن يحدث ذلك، تلبدت السماء بالغيوم، وأصبح الحس الطائفي التفتيتي والصدام الطائفي صورة كبيرة واضحة في الحياة اليومية في البلاد.

تعبئة في بوتقة «وطنية»

في الواقع، يعتقد الكثير من الناشطين والمتابعين وكذلك المهتمين بحركة تطور المجتمع ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، أن المرحلة الراهنة لم تشهد تجديدا للعلاقة التاريخية بين السنة والشيعة كما أسستها هيئة الاتحاد الوطني، إذ بقيت هذه العلاقة في إطار الوصف اللفظي والاجتماعي من قبيل أن أبناء الطائفتين لعبوا مع بعضهم بعضا في الصغر، أو استخدام وصف الجيران، أو الإشارة إلى التزاوج (المحدود)، أو استذكار فترة الدراسة في المرحلة الابتدائية، وربما القول بقوة العلاقة بين موظفين في العمل، لكن حقيقة وجود علاقة وثيقة قوية تحمي النسيج الوطني، فهي غائبة إلى حد الخطورة في يومنا هذا... والصور الدلائلية كثيرة، لا طائل من ذكرها منعا من الانحراف بجوهر الموضوع الذي هو في الحقيقة ينبني على سؤال مهم وهو: «كيف هو النسيج الوطني والعلاقة بين الطائفتين في البلد؟ أليس هذا التلاحم هو الذي قاد إلى الاستقلال في العام 1971؟ ترى، لماذا يغيب اليوم عن الوعي الوطني، ولم يغب عن الذاكرة الوطنية؟».

إن أهم ما وسم حركة الهيئة - كما يؤكد أحد الناشطين السياسيين البحرينيين - هو نجاحها في تهيئة الشعب كاملا، سنة وشيعة، في بوتقة وطنية واحدة، عبر عنها النسيج الوطني الذي طبع قيادة الهيئة وأداءها طوال عامين، هما عمر الهيئة، حيث ساد الهم الوطني الواحد معبرا عنه في شعارات مشتركة، نجحت من خلالها الهيئة في قبر الفتنة الطائفية التي كان المستعمر يرغب في إثارتها لحرف حركة الشعب عن القضايا الجوهرية.

وشكلت هيئة الاتحاد الوطني قاعدة ومنطلقا للنضال المشترك الذي طبع الحركة الوطنية البحرينية في العقود التالية، والذي كان أبعد ما يكون عن النزعات والميول والأهواء الطائفية، من أية طائفة جاءت، وبنيت التنظيمات الوطنية، ذات الطابع الديمقراطي، على أسس الولاء الوطني ووفق شعارات الوحدة الوطنية والقضايا الاجتماعية الموحدة للكادحين، ومواجهة الاستعمار والشركات الاحتكارية ومظاهر التمييز الاجتماعي والطبقي واستغلال الفقراء المنتجين، الأمر الذي انعكس على بنية الحركة الوطنية وعلى برامجها ورؤيتها الفكرية والسياسية، وجعل منها رافعة حقيقية للحداثة والنهضة في المجتمع البحريني، وفي خضم ذلك نشأ جيل من البحرينيين مفعم بالروح الوطنية وبعيد عن مظاهر التعصب الطائفي والمذهبي على أنواعه.

ولعلنا نضع نصب أعيننا سؤالا مهما ونحن نعيش ذكرى «الاستقلال»: «لماذا تتعثر مقاربات الطائفتين، ولماذا يزداد «الفصل» قوة في المجتمع البحريني اليوم؟ وهل مضت تجربة هيئة الاتحاد الوطني وأصبحت «تاريخا» بحيث يصعب تكرارها اليوم؟ إجابات هذه الأسئلة كانت تدور في خلد بعض الناشطين والوجهاء والمؤرخين، لكن لم يرغب الكثير منهم في الحديث، حتى إن أحدهم وصف المحاولات التي تجري بين الحين والآخر، ومنها نموذج تلاقي كل من الشيخ عبداللطيف المحمود مع العلامة المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري طيب الله ثراه، في فترة منتصف التسعينيات، وتجربة تشكيل بعض اللجان الأهلية حديثا للتصدي للطائفية، ومنها اللجنة التي تشكلت في مدينة المحرق، ولجان أخرى سمعنا عنها منها ما أقدم عليه أحد المسئولين في المحافظة الشمالية... كل تلك النماذج عكست أن هناك فراغا خطرا بين الطائفتين، ما جعل من أمور استحضار نماذج مضت أمرا مهما، لكنه لم يعد مؤثرا من وجهة نظره إذ إن قوة «الإبعاد الطائفي» أكبر من التقريب، وهي أخطر مرحلة في تاريخ الأمة ويجب على الحكومة النظر إليها بدقة فخطورتها بالغة (يكتفي بهذا القدر).

المؤشرات سلبية

وبشكل مباشر، يدخل الأمين العام لجمعية المنبر الديمقراطي حسن مدن إلى عمق الموضوع، إذ يرى بوضوح كيف هي التجاذبات بين الطائفتين في البلاد، فيرى أن كل المؤشرات في هذا الصدد سلبية ولا تنم عن توجهات إيجابية لتعزيز الوحدة الوطنية في المجتمع، وعلى العكس من ذلك، هناك استثارة للنزعات المذهبية والطائفية على الجبهتين، وعلى مستوى الطائفتين، ويبدو ذلك منسجما مع التحولات التي تطبع هذه المرحلة وليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى المحلي والإقليمي.

ولذلك، في تقديري، فإن صعود الإسلام السياسي - باعتباره ظاهرة مؤثرة في حياتنا لا يمكنا الاستخفاف بها - كان له تأثير واضح في هذا التوجه، ففي المجتمعات المركبة أو بمعنى آخر «متعددة التكوينات المذهبية والطائفية» فإن هذا الصعود لا بد أن يترافق مع اشتداد حدة النوازع الطائفية والمذهبية.

ويستدرك قائلا: «نحن بحاجة إلى تأسيس ثقافة جديدة تنطلق من أن التعددية المنهجية هي معطى موضوعي ولا نستطيع أن تقول للشيعي لا تكن شيعيا ولا تقل للسني كفّ عن أن تكون سنيا... لا بد من التعاطي بواقعية، وطالما نحن نعيش في مجتمع واحد وتجمعنا قضايا مشتركة، فإن طريقنا واحد، وهو تغليب القواسم المشتركة بين أبناء المجتمع وليس على صعيد القسمة الطائفية أو المذهبية وإنما التنوع الاجتماعي والثقافي والفكري في المجتمع البحريني».

ويختتم بالإشارة إلى أن هناك تيارات وقوى أسماها «عابرة للطوائف»، ولا يمكن أن تكسبها طائفيا، في إشارته إلى التيارات المعتدلة أو الليبرالية أو الداعية إلى احترام الحريات والحقوق، إذ يرى أن هذه التيارات أصبحت عرضة للهجوم من قبل بعض التيارات الإسلامية، وهي ظاهرة مقلقة وغير صحية ويمكن أن تضيف انشقاقا إلى المجتمع على ما فيه من انقسامات موروثة، مؤكدا أننا في حاجة للإعلاء من قيمة التسامح والتعايش المشترك باعتباره ضرورة، وأنه لا يستدعي الأمر أن يتحول إلى مواجهات ومصادمات ونبش في الذاكرة التاريخية لعوامل الفرقة.

صعود نجم «المزايدات»

ويحدد الباحث سيدجعفر سيدسلمان الحلاي ملامح صيانة النسيج الوطني في المجتمع البحريني بالإشارة إلى أن هناك احتراما مقدسا للمواطنة والولاء للوطن، غير أن هناك ممارسات شهدها المجتمع البحريني منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي حتى اليوم، تشكل هاجسا مقلقا لتأثيره مباشرة على النسيج الوطني والوحدة الوطنية، ويبدو أن الصورة الأكبر لذلك الهاجس/ الهواجس، تتمثل في الممارسات الطائفية البغيضة التي لا تتماشى إطلاقا مع المشروع الإصلاحي الذي أطلقه جلالة الملك، ولا تتواكب مع التطورات التي تشهدها مؤسسات المجتمع المدني في اتجاه تعزيز الوحدة الوطنية وتحقيق المزيد من المكتسبات.

ولكن في ظني، فإن ما هو واضح منذ الفترة التي سبقت الاستقلال، وحتى اليوم، هو اتفاق كل أهل البحرين على الوقوف صفا واحدا ضد أية محاولات تستهدف النيل من الثوابت والمكتسبات الوطنية التي لا يمكن السماح لأي كان التطاول أو التآمر عليها بالفعل أو القول أو المزايدة تحت أي سبب أو مبرر كان... أقول ذلك لأن هناك صورا متعددة في المجتمع البحريني أصبحت تعتمد «المزايدة» باعتبارها وسيلة لإثبات الولاء الوطني، وهذا أمر غير صحيح.

ويؤكد أنه ليس من الدقيق القول إن تجارب الطائفتين في الوحدة باءت بالفشل ولم تتكرر منذ تجربة هيئة الاتحاد الوطني، لأن هذا الأمر يحتاج إلى تعامل حذر يحفظ للمجتمع البحريني ما بناه على مدى سنوات، وإذا كان التراث البحريني قام على قوة العلاقة بين الطائفتين، فإنه من الصعب سحب هذا المعنى الوطني الكبير من النفوس، لكننا نطالب بأن يكون هناك صدق في تقديم الأطروحات المتعلقة بتقوية بنيان الوحدة والعلاقة بين الطائفتين، بعيدا عن المزايدات والمصالح الشخصية التي يسعى إليها من أصبح المجتمع البحريني على علم ومعرفة بهم، والمجتمع كفيل بتسفيه «أحلامهم» في التأثير سلبا على أبناء الوطن الواحد.

نحتاج إلى نيات صادقة

ويفضل محدثنا، خالد جاسم بومطيع، التحدث في هذا الموضوع بعيدا عن المسميات الوظيفية والاكتفاء بالإشارة إلى مواطن أو «محرقي أصيل» لأنه أكد أنه يتحدث باعتباره مواطنا بحرينيا، فهو يعبر عن رأيه في موضوع عدم تكرار نماذج ناجحة للعلاقة بين الطائفتين تشكل مناعة للمجتمع بالقول :»لا أحد يستطيع تحديد الإجابة! ذلك لأن تحديد النتيجة النهائية تعتمد على البيئة المتاحة، وهل هي مشجعة لأن تكون هناك تربة صالحة لإصلاح سياسي وتعزيز العلاقة، أم أن هناك بيئة غير مناسبة وبالتالي تتزايد فيها الخلافات بين الأشخاص وتتأثر العلاقات داخل المجتمع عموما».

لكنني أستطيع القول، والحديث لـ بومطيع، أن هناك حاجة إلى نيات صادقة، فكثير من المتحدثين عن التقارب الطائفي هم أول من يعملون على هدم التقارب بين الطائفتين، والبحرين ولله الحمد أثبتت تاريخيا هذا التلاحم بين الطائفتين وفي كل يوم، وفي كل موقع نجد صورا جميلة لهذا التقارب والتلاحم، ولكن مع الأسف الشديد، هناك في الجانب الآخر من يؤجج عوامل الفرقة ويستثمرها في مواقع يعتقد أنها في صالحه، وهي في النهاية تمثل أمرا خطيرا نظرا إلى وجود أفراد يلعبون بكرة الطائفية من أجل الحصول على مصالح شخصية، وبالتالي، فإن هذه «المصالح» تنقلب على من يلعب بالنار وهم أول من يحترق بها.

ويضيف على قوله: «في مثل هذه الألعاب، يحترق بالنار الكثير من المخلصين، وهذا ما وجدناه في كثير من الدول التي اكتوت بنار الفرقة الطائفية، ولذلك، حين يكون هناك مشروع صادق لهذا التلاحم ورأب هذا الصدع فإنه يأخذ أسباب النجاح من دون ريب. وهذا ما أتمناه، وأراه في الحقيقة، في كثير من القرى والمدن ومواقع العمل حيث التلاحم بين الطائفتين قائم، وهو موجود في البيوت والأعمال والتاريخ وفي الأحياء وعشناه أيضا في المدارس والجامعات».

السفينة الواحدة تبحر

ويعترف الناشط الاجتماعي سالم رجب، بأنه يفضل التوجه إلى العمل بصمت، ويخدم المجتمع ليحقق المعادلة الوطنية التي يجب أن يعمل بها كل مواطن لخدمة مجتمعه، ويرى أنه سينجح في تقديم نموذج من العمل يكون هدفه الرئيسي مصلحة البلد، من دون تمييز في الاتجاه أو المسار الذي يسير فيه الهدف، في إشارة إلى أن خدمة المجتمع اليوم لا يجب أن تكون محصورة في حدود الطائفة.

ولأنه مقتنع تماما من ضرورة الابتعاد عن المهاترات، لكنه في الوقت ذاته يرى أن «الحفاظ على الأمن والاستقرار الاجتماعي بغية إنعاش الاقتصاد وبالتالي تحسين المستوى المعيشي للمواطن، هو الهدف الذي يفترض أن يكون عنوانا لما نريد تسميته بالوحدة الوطنية الصحيحة».

ويضيف «وفي هذا الإطار، أستطيع القول إنني شخصيا الآن في إطار إعادة الدراسة في كثير من الأمور التي تخدم المجتمع من دون بهرجة، وأحاول الوصول إلى المسار المناسب، وأشعر أنني سأنجح، فأنا بطبعي متفائل وهذه المسائل تحتاج إلى حوار ومواجهة صريحة وتقبل الرأي والرأي الآخر وهي أولى الخطوات، فكلنا في سفينة واحدة ولا داعي لأن نضايق بعضنا بعضا، نبحر معا».

ختاما، يمكن الإشارة إلى دراسة أعدها مركز الدراسات في مجلس الشورى حدد فيها أولويات العمل أمام المؤسسات المدنية الأهلية الناشطة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان لتعزيز الوحدة الوطنية ومنها ترتيب البيت الداخلي للمؤسسات المدنية الأهلية الناشطة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان من خلال العمل المشترك الذي يهدف إلى تنسيق وتوحيد المواقف أمام الأطروحات التي تهدف إلى معالجة قضايا المجتمع المعززة للوحدة الوطنية، وطرح البرامج السياسية والعملية المزمع تنفيذها أمام الجمهور، بالإضافة إلى المشاركة في حل المشكلات المجتمعية التي يعاني منها المجتمع البحريني مثل الإسكان والبطالة والتعليم.

لكن يبقى للمخلصين من أبناء البلد مطلب كبير، وهو أن تترجم توجهات الوحدة وتعزيز العلاقة إلى ممارسة وطنية وثقافية تتصدى للأفكار التي يبثها الكثيرون في مجتمعنا اليوم على شكل سموم، لا هدف منها سوى الإضرار باستقرار المجتمع.

العدد 1802 - الأحد 12 أغسطس 2007م الموافق 28 رجب 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً