فيما تشهد الدول الخليجية ومنها البحرين نموا اقتصاديا كبيرا وفوائض مالية نتيجة ارتفاع أسعار النفط عالميا يحذر الخبراء الاقتصاديون والاجتماعيون من تآكل الطبقة الوسطى في عدد من الدول الخليجية واتساع رقعة الفقر في هذه المجتمعات.
وفي حين يرى المختصون أن خروج أفراد من الطبقة الوسطى ودخول أفراد آخرين لهذه الطبقة أمر طبيعي تفرضه عمليات التحول الاقتصادية إذ إن أي مجتمع من المجتمعات يخضع لقدر من التحولات السريعة تدفع بخروج أفراد من الطبقة ودخول أفراد جدد، يؤكدون أن ما يجري في البحرين هو حدوث هوة واسعة بين الطبقات الاجتماعية فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء تسوء أحوالهم يوما بعد يوم.
وتكمن أهمية الطبقة الوسطى في أي مجتمع من المجتمعات لكونها تشكل صمام أمان سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو حتى الأمني فهذه الطبقة يعتمد عليها تماسك الهرم الاجتماعي، وهي التي تربط بين قمة الهرم وقاعدته فكلما اتسعت هذه الطبقة كانت أوضاع المجتمع مستقرة وغير مهددة وكلما تقلصت ازدادت الفوارق الطبقية بين أفراد المجتمع وأوجدت مجتمعا أقليته أغنياء وأكثريته فقراء ما قد يفرز ذلك من اضطرابات بين أفراد المجتمع الواحد.
ولقد حذر عدد من المختصين في الفترة الأخيرة من تقلص أعداد الطبقة المتوسطة في البحرين نتيجة التضخم وارتفاع الأسعار وعدم قدرة الاقتصاد المحلي على إيجاد فرص عمل مناسبة بالإضافة إلى جمود حجم الرواتب وتدني مستوياتها ما يشكل تحديا كبيرا لسياسات وخطط التنمية.
في هذه الندوة التي استضفنا خلالها أستاذ علم الاجتماع بجامعة البحرين باقر النجار وعضو مجلس النواب جاسم حسين بجانب الباحث الاقتصادي محمد الصياد وعضو الإدارة التنفيذية بهيئة تنظيم سوق العمل محمد ديتو سنحاول الإجابة على أسباب انحسار الطبقة المتوسطة وأثر ذلك على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والأمنية في البحرين .
وفيما يأتي نص الندوة:
هل هناك تناقض في انحسار أعداد الطبقة الوسطى في الوقت الذي سجلت فيه جميع الدول الخليجية ومنها البحرين معدلات نمو عالية وصلت لحد 7 في المئة نتيجة ارتفاع أسعار النفط؟ ولماذا استفاد المواطنون من الطفرة النفطية التي حدثت في فترة السبعينات ولم نرَ أي تأثير يذكر على المواطنين في الفترة الحالية؟
- محمد الصياد: أولا أرى أننا نحتاج إلى دراسة ومسوحات لتحديد مستوى ونسبة الطبقة الوسطى في البحرين، ولكن هناك ما يسمى بالتحليل النوعي، إذ إن هناك بعض التعاريف التي تنطلق من أن الطبقة الوسطى هي التي تتمتع بالاستقلالية الاقتصادية ولا تحتاج إلى الدعم الخارجي، وبالنسبة لنا في البحرين فبحسب إحصاءات الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية للعام 2006 فإن إجمالي قوة العمل في البحرين 298 ألف موظف بحريني وأجنبي من بينهم 23.6 في المئة من البحرينيين أي ما يقارب من 70 ألف مواطن ومن هؤلاء 47 في المئة أجورهم تقل عن 200 دينار وذلك ما يجعلنا نضع هذه الأجور في مقابل التحولات الاقتصادية الكبرى الحاصلة في المنطقة والتي خلقت سيولة هائلة والتي نتساءل عن كيفية استثمارها، هناك موجة نفطية ثالثة تحدث الآن، فالطفرة النفطية الأولى كانت في 1974 والثانية كانت في العام 1997 وما يحدث الآن هو طفرة نفطية أقوى وأطول من الطفرتين السابقتين ووصل فيها متوسط سعر البرميل لدينا في البحرين 60 دولارا في الوقت الذي تتسع فيه دائرة الفقر. لماذا حدث ذلك؟ وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نلاحظ وجهة الاستثمارات فالأرصدة الفائضة في هذه الفترة وفي جميع الدول الخليجية توجهت إلى قطاع الإنشاء والتعمير وأحدثت دفعة قوية وذلك ما أدى إلى صعود قيمة الإيجارات والأراضي ما أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع والمواد، ولذلك وجد لدينا مصدر للتضخم من الداخل، إن ما بنيناه خلال ثلاثين سنة بشكل تراكمي وحسب كإنجاز يتبخر الآن بدليل أن المواطنين المحسوبين على الطبقة الوسطى لا يستطيعون شراء أرض لبناء منزل لهم فكثير من البحرينيين يقومون الآن ببناء شقق لهم في منازل آبائهم وبذلك بعد أن توجه المجتمع البحريني إلى العائلة النووية رجع مرة أخرى إلى العائلة الممتدة التي تضم الجد والأبناء والأحفاد والأعمام في منزل واحد.
نشوء الطبقة الوسطى في البحرين
- محمد ديتو: دعنا نستفيد من المعلومة التي ذكرها الأخ محمد الصياد فيما يخص مستويات الأجور في البحرين وأود أن أضيف على ذلك معلومة قد توضح المشهد العام، ولنأخذ مثلا فئة الذين رواتبهم في حدود 300 دينار فأقل، فإذا لاحظنا أن نسبتهم من إجمالي العاملين في القطاع الخاص تشكل 60 في المئة في حين يشكل نظراؤهم من الفئة نفسها من العاملين في القطاع الحكومي 8 في المئة فإن ذلك يؤكد ما أوردناه سابقا عن عدم تجانس الطبقة الوسطى في البحرين.
ثانيا: عندما نتكلم عن نشوء الطبقة الوسطى في السابق وانحسارها في الوقت الحالي فإن نشوء هذه الطبقة في البحرين ودول مجلس التعاون كان في الأساس ناتجا عن قيام الدولة بدور رب العمل من خلال التوظيف في القطاع الحكومي، الآن فلنسأل هل نحن أمام طبقة وسطى مرت بمرحلة انتقالية ومن ثم اندثرت، أم أننا أمام تحدي استدامة هذه الطبقة وخروج فئات معينة من هذه الطبقة ودخول فئات أخرى كما حدث في الدول الغربية، نحن الآن نواجه سؤالا صعبا وذلك لأن نمو ونشوء وتطور هذه الطبقة في القطاع الخاص يواجه تحديات كبيرة إذ إن الكثير من الباحثين عن عمل في الفترة الحالية هم أبناء الطبقة الوسطى والذين عمل آباؤهم في الحكومة أو الشركات الكبيرة.
ولكي يكون نمو الطبقة الوسطى مستداما يجب أن يكون للاقتصاد قدرة على توليد حجم كبير من الوظائف ذات القيمة المضافة العالية وأن يكون هناك مناخ صحي متاح في السوق لأصحاب المهن الحرة إذ إن هؤلاء يواجهون الآن تحديات صعبة في حين أنهم من يولدون الطلب على الوظائف التي تشكل الطبقة الوسطى.
ما هي الأسباب التي تحد من قدرة الاقتصاد البحريني على خلق فرص عمل مجزية؟ وهل هناك أرقام محددة بعدد الوظائف التي يمكن للقطاع الخاص خلقها سنويا؟
- محمد ديتو: لست مع إعطاء صورة مطلقة عن وجود أم عدم وجود فرص عمل مجزية، فهناك قطاعات توفر فرص عمل مجزية وهناك قطاعات أخرى لا توفر مثل هذه الفرص، الإشكال يكمن في النسبة فيما بين هذه القطاعات فإذا كان هناك اعتماد على العمالة الوافدة غير الماهرة وهذا النوع من الاعتماد يجدد نفسه ولديه قدرة كبيرة في ذلك ما لم يتوافر لديه حافز للاتجاه نحو توليد وظائف ذات قيمة مضافة عليا وهنا الإشكال، ففي النهاية يمكن التساؤل إلى أين سيؤدي هذا المسار الراهن.
العمالة الأجنبية
والطبقة الوسطى
وجود العمالة الأجنبية في منطقة الخليج والتي تقدر نسبتها بما يقارب 66 في المئة من مجمل السكان ويقدر عددها بـ 7.5ملايين عامل، ألا يشكل ذلك اختلالا في النسيج الاجتماعي، بمعنى أن تكون هذه العمالة هي الطبقة الفقيرة في المجتمع في حين يكون المواطنون على أقل تقدير من ضمن الفئة الدنيا من الطبقة الوسطى وذلك ما يعطي تصورا غير دقيق للفئات المختلفة في المجتمع؟
- باقر النجار: أولا، إن المجتمعات الخليجية تختلف بعضها عن الأخرى ولذلك لا يمكن تعميم هذه المسألة، كما أن العمالة الأجنبية هي واقع موجود وهي تلعب في منطقة الخليج أدوارا مفصلية وجوهرية فيما يسمى بعمليات التنمية الاقتصادية، وجل هذه العمالة مستويات الدخل فيها متدنية، ولكن هناك طبقة وسطى في العمالة الأجنبية كما أن هناك طبقة عليا ومترفة في أوساط هذه العمالة، وفي المجتمعات الخليجية نحن نتحدث عن مجتمعين منفصلين بالكامل، مجتمع وافد له أنماط وأشكال حياة وسياق ثقافي واجتماعي مختلف ومجتمع محلي مكون من المواطنين له سياقاته الثقافية والاجتماعية.
النقطة الأخرى أن بعض مجتمعات الخليج أتاحت عمليات التصاعد الكبير في أسعار النفط والفورة العمرانية فيها نمو في معدلات دخل أفرادها وبالتالي فإن الكثير من مواطنيها من ذوي المستويات المتدنية ارتفعوا ودخلوا في الطبقة الوسطى كما أتاحت هذه الدول لمواطنيها مصادر جديدة للدخل، في حين أن هناك مجتمعات خليجية أخرى لم يحدث فيها ذلك، فالبحرين والسعودية وعمان حالتها مختلفة عن قطر والكويت والإمارات. وعلى رغم أن هناك تشكلا هرميا من الناحية الطبقية بمعنى وجود طبقة عليا ووسطى ودنيا فإن هذه الطبقات تتعرض إلى هزة بفعل التحولات الجارية، إلى أي مدى تستطيع هذه المجتمعات أن توظف هذا النمو الاقتصادي المتصاعد في رفد الطبقة الوسطى ذلك هو أحد التحديات الأساسية التي تواجه هذه المجتمعات.
دور القطاع الخاص
مع ملاحظة تحفظ عدد كبير من أصحاب الأعمال على الإجراءات التي ستقوم بها هيئة تنظيم سوق العمل لرفع كلفة العمالة الأجنبية من أجل خلق توازن في الأجور، هل أنتم واثقون من أن السياسة التي ستتخذونها في تنظيم سوق العمل في البحرين سترفع من المستوى المعيشي للمواطن البحريني وكيف سيتم ذلك؟
- محمد ديتو: إن الهدف الأساسي الذي تسعى إليه الهيئة هو إصلاح السوق وتحسين الأداء العام لسوق العمل من خلال جعل القطاع الخاص هو المحرك الأساسي للنمو وجعل العامل البحريني الخيار المفضل للتوظيف، ولتنفيذ ذلك لا توجد سياسة واحدة فقط معنية بهذه الأمور، هناك ضرورة لتكامل وتعاضد مجموعة من السياسات لإصلاح سوق العمل وما يتبعه ذلك من تعاون مؤسسات مختلفة منها الهيئة ووزارة العمل وصندوق إصلاح سوق العمل وغيرها، إلى أية درجة يمكن لهذه المؤسسات أن تكون قادرة على مد جسر عمل لصيق مع أصحاب الأعمال والقطاع العمالي، ذلك ما سيحدد نجاح هذه السياسات، إن مشروع إصلاح سوق العمل قام بتنظيم الكثير من ورش العمل طرح خلالها السياسات الهادفة إلى الاعتماد على العمالة الماهرة وتقليص أعداد العمالة الرخيصة وذلك لكي تكون هناك دافع أكبر لدى مؤسسات القطاع الخاص لرفع الإنتاجية وتقليص اعتمادها على العمالة الوافدة غير الماهرة من أجل إصلاح سوق العمل الذي يحتاج كذلك إلى رفع كفاءة ومهارات الباحثين عن العمل البحرينيين لكي يستطيعوا شغل الوظائف الجديدة وهذه العملية كما قلت سابقا تحتاج إلى تعاون الجميع .
كما أن مشروع إصلاح سوق العمل ليس مشروعا منفصلا عن مشروع الإصلاح الاقتصادي ومشروع إصلاح التعليم والتدريب وهي القواعد الأساسية الثلاثة للرؤية الجديدة، فإصلاح سوق العمل لم يأتِ كرؤية وحيدة وإنما تم ربطه منذ البداية وذلك ما تم تأكيده منذ البداية بالإصلاحات الأخرى، وأعتقد عموما أن ذلك سيؤدي في حال تطبيقه وتنفيذه بشكل سليم إلى أن يوفر البيئة لنمو واتساع ما يعرف بالطبقة الوسطى.
هل هناك حلول لوقف ظاهرة انحلال الطبقة الوسطى يمكن أن تساعد فيها الدولة أم أن ذلك يرجع أساسا إلى ما يفرزه اقتصاد السوق؟
- محمد الصياد: أعتقد أن على القطاع الخاص أن يدرك أن «البقرة الحلوب» التي اعتمد عليها لفترات طويلة وهي العمالة الأجنبية الرخيصة لن تستمر إلى الأبد وأن هذه الفترة قد ولت إذ لا يمكن أن يستمر القطاع الخاص في الاعتماد على الـ 47 ألف عامل «الفري فيزا» التي يقل دخلهم عن 50 دينارا شهريا، فالقطاع الخاص ليس مهددا فقط من قبل إصلاحات سوق العمل وإنما أيضا من قبل الدول المصدرة للعمالة، فالهند مثلا كانت في العام الماضي أكبر دولة ترفع أجور العمالة فيها في قارة آسيا وثاني دولة في العالم في رفع نسب الأجور إذ إن القطاع الخاص الهندي رفع أجور موظفيه بنسبة 14.8 في المئة، كما أن السفير الهندي في البحرين قام بوضع 45 شركة بحرينية في القائمة السوداء ولن يتم تزويدها بالعمالة الهندية لأنها تخرق حقوق العمال الهنود وبالتالي فإن هناك ضغطا على القطاع الخاص؛ فإما أن يقوم برفع الأجور التي كان يدفعها في السابق وإما أن يفكر في أسلوب آخر لرفع إنتاجيته وإلا فإنه لن يستطيع المنافسة.
صحيح أن القطاع الخاص خلق في العام الماضي أكثر من 11 ألف وظيفة ولكن ليس القطاع الخاص التقليدي هو من قام بذلك وإنما القطاعات الجديدة ذات الأجور المرتفعة كقطاع الاتصالات والقطاع المالي والتكنولوجي والتعليمي وخصوصا القطاع المالي إذ إن البنك المركزي قام في الفترة الأخيرة بالترخيص لعدد من المؤسسات المالية العالمية للعمل في البحرين وهي التي قامت بتوظيف أعداد كبيرة من البحرينيين.
- باقر النجار: أرى أن الحلول ليست اقتصادية فقط فلابد أن يكون هناك تصور رسمي عن كيف يجب أن تكون الطبقة الوسطى ضمن توجهات ثقافية وسياسية معينة ولابد من أن نعرف أنه كلما اتسعت الطبقة الوسطى وكلما حصل بها قدر من الاتفاق القيمي والاتساق على المستوى الثقافي والسياسي والاجتماعي كلما كانت مصدرا أساسيا في خلق التوازن داخل المجتمع وكلما تنافرت أحوالها كما هي الآن كلما أصبحت هذه الطبقة مصدر قلق للمجتمع.
- محمد ديتو: أعتقد أنه من الضروري الاهتمام بشكل أكبر بموضوع مسوحات الدخل في البحرين وليس بمسوح الأجر فقط وشفافية المعلومات الناجمة عن هذه المسوحات والاتفاق بوضوح بشأن معيار الفقر لكي نستطيع في ضوء ذلك أن نتناقش بشكل عقلاني وواضح مبني على الأدلة فيما يتعلق بحجم ومساحة الطبقة الوسطى في مجتمعنا، الآن نحن نتحدث في منطقة عائمة وأعتقد أن توفر المعلومات سيكون لصالح الجميع ولصالح تنمية المجتمع.
العدد 1832 - الثلثاء 11 سبتمبر 2007م الموافق 28 شعبان 1428هـ