العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ

وتمر السنون من دونك؟

أتأمل في تقويم حياتي، فلعل في تواريخ الأيام ما يعود بي إلى ذكريات جميلة فأفرح بها، أو ذكرى حزينة فأتحمل تعاستها، فأتعلم أكثر وأكثر من الحياة وأتعلم أن الحياة مرارة وحلاوة ولابد من تذوق الاثنين وإلا فكيف نساير الحياة؟

أتأمل تلك الأرقام في تفكيري، فتأملت طويلا في هذا التاريخ: 13 سبتمبر/ أيلول، وكأن الحزن قد ارتسم في بسمتي فحولها إلى بسمة باهتة حزينة، نعم، تذكرت أن هذا التاريخ، هو اليوم الذي فقدت فيه الحنان الذي عشت في حضنه سنين طويلة، تذكرت ان في هذا التاريخ فقدت فيه جدي، فها هي السنة الثانية تمر بمخيلتي فتعود إلى ذلك اليوم، وإلى ذلك الاتصال الذي يحمل من خلفه وفاته، فكرهت الهواتف في مثل هذه الأوقات منذ الصباح الباكر. عدت بذاكرتي إليك وعندما رأيتك للمرة الأولى والأخيرة وأنت على فراش الموت، نعم، مرة واحدة رأته عيني وغفت بعد ذلك عينه، هكذا من دون وداع، من دون سلام، من دون بسمة، من دون كلام.

ما عهدناك هكذا يا جدي، أفهل استعجلت لقاء ربك بعد لقائنا؟ أهكذا سئمت الحياة بظروفها فقررت الراحة في قبرك الصغير؟

جدي، ها هي الأيام تمشي، والأشهر تركض، ومن ثم السنون تسير، ولكن من دونك؟ من دون رؤيتك في أيام الجمع؟ من دون السماع لنصائحك؟ ما تعودت أيامنا هذا، ولكن تعلمت ان تتحمل فراق الموت لأنه أمر الله، فالله أحب لقاءك كما نحب لقاءك في الدنيا،

جدي، كم قاسية تلك الجمعات التي كنا نشتاق إليها لأننا سنراك فيها، فالآن لا أجد إلا فراغك وثيابك ورائحتك الزكية التي مازالت تعطر المكان، ولكن من دون وجودك.

جدي، عدت بذاكرتي، إلى تلك الليالي التي جمعتنا نحن أحفادك في حضنك الحنون، تذكرت أياما طالما أحببناها لوجودك فيها، تذكرت هداياك التي كنت تحضرها لنا عند عودتك من كل سفراتك، تذكرت كيف كنت تلهو معنا، كيف كنت تضربنا عندما نخطئ، ولكن برفق ومحبة، تذكرت كيف كنت تلعب معنا، فتركض خلفنا، ونهرب منك لتبحث عنا... كل هذه الذكريات أخذت تجول في خاطري، وخصوصا لما رأيت قبرك يا جدي، تركتنا وذهبت إلى القبر، إلى ذلك القبر الذي يحتضنك في جوفه. نعم هذا قبرك الذي ارتوى من دموع احفادك، لا ادري أهي دموع الشوق لك أم دموع الفراق؟ أم دموع الحنين إلى الماضي، إذ تركتنا يا جدي بعد أن كبرنا وتركت الذكريات فوق قبرك الطاهر.

جدي، صحيح ان جسدك غاب عن عيوننا، لكن روحك الطيبة والأخلاق مازالت في قلوبنا، ومازالت روحك تنبض في شراييننا بالأخلاق والطيب، مازلت معنا جدي حتى وإن غاب جسدك الغالي.

سامحني يا جدي، فكلماتي سبقتها الدموع، فلا يملك القلم إلا أن يقول: هذه حكمة الباري، ورحمة الله تعالى عليك، وحشرك مع من أحببتهم وسرت على منهجهم، محمد وآله الطاهرين.

(رحم الله من قرأ سورة الفاتحة وأهدى ثوابها إلى روح جدي الغالي عبدالحسين صالح علي الشهابي).

ساجدة الشيخ علي بن أحمد الجدحفصي

العدد 1856 - الجمعة 05 أكتوبر 2007م الموافق 23 رمضان 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً