(يوم المدرسة)... وما أدراك ما يوم المدرسة، هو أول يوم دراسي جديد وجميل حافل بالمفاجآت للبراعم الصغيرة، التي عاشته بين فرح وبين بكاء، حتى أن بعضها نامت في زيها المدرسي لشدة فرحتها به، لأنه يمثل لها يوما رهيبا أو يوما مختلفا أو تجربة جديدة تخوضها براعمنا الصغيرة، التي هي في أعمار الزهور والورود، وخصوصا تلاميذ الروضات والصفوف الأولى ابتدائي أمثال (عباس وحصة وكاظم وخلود)، بينما استقبله الطلبة الكبار بالكآبة والحزن على أحلامهم بانتهاء إجازتهم الصيفية! وهكذا... وبعد أن قضى الطلاب والمدرسون أكثر من شهرين في إجازتهم الصيفية بين السفر والتنقل والتسلية واللعب بعيدا عن الأنظمة والقوانين، اذ أثقلوا كاهل أمهاتهم بمشاغباتهم اليومية مع إخوانهم وأخلوا جيوب آبائهم وضاقت صدورهم من طول هذه الإجازة، فكأنني أراهم ولسان حالهم يقول «اذهبوا إلى مدارسكم ... لا طاقة لنا»، وها هم يعودون وبانتظارهم أدراجهم ومقاعدهم الخشبية (المكسورة) التي حطموها، وحمامهم (طابورهم) الشمسي الصباحي اليومي، وبانتظارهم مدرسيهم وسبوراتهم وكراسيهم و دروس (التقوية) الاستثماريه!
وهكذا تدب الحركة وتزدحم بهم الشوارع والطرقات التي سيطروا عليها بباصاتهم الصفراء والزرقاء والبيضاء في أوقات حضورهم وفي انصرافهم، وحتى خطوط المشاة البيضاء امتلكوها وراحت تتباهى بها أحذيتهم وحقائبهم المتعددة الألوان من مختلف الماركات، وتصطبغ الطبيعة بجميع ألوان الطيف الدراسي، متمثلة في ألوان الزي المدرسي كالروضات والابتدائي والإعدادي والثانوي (الأخضر القاتم والأزرق والبني والرصاصي والماروني).
وما هي إلا ساعة وبعد انتظامهم في صفوفهم ليدب السكون والهدوء مرة ثانية! أصوات الذكر الحكيم تعلو في السماء في بعض المدارس، وزقزقة العصافيروتغريد البلابل على أطراف الأشجار والنخيل متسائلة عن هذه الضجة المبكرة وعن هذا اليوم الجديد ... ما أروعه من يوم وما أروعها من ساعات وأيام على الأبناء، وما أحلاها على الآباء والأمهات! وعند انتهاء اليوم المدرسي وأثناء إنصرافهم من مدارسهم تعلو الضجة ثانية إما من صيحات وأصوات الفرح والسرور والعودة إلى البيوت وألعابهم التي تركوها، اذ يعود عباس إلى دراجته أو إلى لعبته المفضلة (بلاي ستيشن)، وحصة إلى دميتها، أو صراخ وبكاء كاظم وخلود على فقدانهما حقيبتيهما أو لعلهما نسياها في درجيهما في أول يوم دراسي!
وهكذا يعود مسلسل الفقد والضياع من جديد، وتتعالى أصوات الامهات والآباء في وجوه أبنائهم وبناتهم، بسبب نسيانهم مستلزماتهم المدرسية، بينما المدرسون الأجانب يهيئون لطلاب الصفوف الثانوية (الدروس الاستثمارية) بما تسمى دروس التقوية تحت ذريعة الاحتفاظ بـ «الفل مارك» للمواد العلمية الصعبة كدروس الرياضيات والفيزياء والكيمياء التي تثقل كاهل أولياء الأمور، ويعود تدافع الناس في جميع المكتبات والمجمعات والأسواق على شراء وتأمين القرطاسية التي تمتلئ بها العربات والسيارات وحتى البيوت بمختلف ماركاتها، كي يتفاخر بها الطلاب على زملائهم... وهكذا تعود الذكريات الحلوة والمرة العالقة.
أما الأبناء المجتهدون المتخرجون حديثا، فحينما تدور عجلة الزمن وهم الآن خارج الحياة المدرسية، يتذكرون الأيام واللحظات الجميلة التي عاشوها مع زملائهم في الصفوف، وفي وقت الفسحة ومع أساتذتهم، كلما مروا على أسوار مدارسهم، بل يتذكرون صفهم ذا السبورة المكسورة التي كسرها (خالد) أو زجاج نوافذه المطلية بلون السلام منعا من حرارة الشمس! ومكيفهم الذي يأن من شدة التشغيل.
ويتذكرون أستاذ الجغرافيا الذي عندما يغضب يشير إلى (خريطة أطلس) القديمة والممزقة، وتحديدا عند دائرة صغيرة تاركا بقية مساحة الخريطة: ليقول أنتم هنا تعيشون في 600 متر مربع فقط! ويتساءل وهو غاضب: لم كل هذه الضجة التي تصطنعونها لي كل يوم في الصف؟ وأما الطالبات فيحملن ذكرياتهن معهن وخصوصا مع مدرسة الرياضة البدنية التي قلما تشاهد وهي تبتسم في حصتها (الحصة السادسة) الحصة الملتهبة بأشعة الشمسوالتي تصلح لحمام «السونا»! في الوقت الذي تصر على الجري ولعب كرة الطائرة!
أما المدرسات، وفي أول يوم لهن، فهمهن أن يتأكدن من نقل مديرة المدرسة (المتغطرسة) في نظرهن، وإن كانت أنها محقة في تطبيق النظام، كي يتبادلن النبأ السار فيما بينهن! أما المدرسون فحالهم كحال غيرهم يتفقدون زملاءهم الآخرين في حال لم يجدونهم والسبب معروف إما نقلوا إلى مدارس اخرى أو راقدين في إحدى أجنحة المستشفيات يتلقون العلاج بسبب (أمراض القلب أو الكلى) أو أنهم تقاعدوا وتركوا هذه المهنة إلى غيرهم حفاظا على عقولهم! وهذا ليس بغريب، ففي فرنسا لا تقبل شهادة المدرسين في المحاكم الفرنسية بسبب شكوك غالبية القضاة في عقلياتهم!
ومع كل هذه الذكريات الحلوة التي تظل عالقة في أذهانهم لسنيين وسنين كثيرة، تبقى آلام وأوجاع وحسرات «الفل مارك» أكبر هم وأكبر كابوس يعيشه الطلاب المبدعون الذين يتحسرون على ضياعها منهم، وخصوصا في المواد العلمية الأساسية، في الوقت الذي يعيش الطلاب الآخرون (المنجحون) نشوة النجاح الآلي، أي كما يعبر عنه (على الحافة)! والغريب يطالبون أولياءهم (البسطاء) بالهدية الموعودة التي لا يعرفون ماذا تعني «الفل مارك»! وما أدراك ما «الفل مارك»!
مهدي خليل
العدد 1866 - الإثنين 15 أكتوبر 2007م الموافق 03 شوال 1428هـ