العدد 2297 - الجمعة 19 ديسمبر 2008م الموافق 20 ذي الحجة 1429هـ

الشوريون وقانون حماية اللغة

قال تعالى: «إنّا أنزلناهُ قرآنا عربيّا لعلّكم تعقِلون» (يوسف 12/2)

وقال: «لسان الذين يُلحدون إليه أعجميّ وهذا لسانٌ عربيٌ مبين» (النحل 16/103).

لا شك أن إطراء القرآن الكريم للسان العربي لايُقارن بأيّ إطراء مهما كان صاحبه حريصاَ على هذا اللسان، فبالإضافة إلى أنه إطراءٌ من السماء، فإنّ المُتأمّل في تلك الآيات لايصعب عليه استنتاج أن لا صدقيةٌ لمضامينه في الواقع مالم يُتقن المُخاطبُ بها هذا اللسان (اللغة العربيّة)، وهو بالطبع غير المراد، ما يعني وجوب إتقانه في مستوى معيّن على أقلِّ تقدير وتعميم ذلك الإتقان على المُخاطبين حتى يمكن التعاطي في حركة الحياة مع مرجعيات الأمّة على مستوى الدّين أو الفكر الدّيني أو ما ينتمي إليه من مُعطَيات، وخارج ذلك الإطار فلن يتوافر التعقّل والإبانة وستبنى على ذلك آثارٌ لايخدم الرسالة ومتطلباتها.

واللغة ليست مبنى ومعنى فقط، اللغة أيّ لغة هي الوجه الآخر للفكر فهما وجهان لعملةٍ واحدة، وما تلك العملةُ إلا حضارة الأمة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. وهي إلى ذلك وطنٌ روحيٌّ يُؤوي إليه من حُرم من وطنه على الأرض كما قال فوسلر. وهل هناك حضارةٌ بلا وطن؟ فشعبٌ بلا لغة هو شعبٌ بلا ثقافة بلا تاريخ بلا هوية، وذلك لا يعني سوى السقوط والترجّل عن معنى الحياة.

لذلك لم تتوقف نضالات الأمم في الحفاظ على لغاتها وحمايتها بعد أن تيقنت أن لا إبداع ولاتطوّر ولاحضارة خارج أسوار لغاتها، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة نشرها خارج الأوطان،(الفرنكفونية مثالا).

وتأتي الخطوة التي قام بها بعض أعضاء مجلس الشورى المتمثلة في اقتراح بقانون للحفاظ على اللغة العربية في البحرين بست مواد تحميها وتحافظ عليها في المؤسسات الرسمية والأهلية خطوة مباركة في هذا السياق، فقد كان ذلك القانون هاجسا يعيشه الغيورون على هذا الوطن وعروبته، وهم يرون عشرات اللغات واللهجات تزاحم اللغة الأم في عقر دارها، حتى غدت مسخا مُستهجنا في كل وزارات البحرين ودوائرها، فضلا عمّا تُعانيه من هجماتٍ شرسةٍ بطريقةٍ مُباشرةٍ أو غير مُباشرة من قِِبل الوافدين، أو المقيمين، ولايُستثنى من ذلك بعض المدارس الخاصّة التي يحلو لها اضطهاد هذه اللغة وحرمانها من عرش أمومتها. ورحم الله جبران وكأنه يعنينا بقوله:

سمعت بإذن قلبي صوتَ عتبٍ

لــــه رقراقُ دمــــــعٍ مســـــــــــتهلِّ

سمعتُ الضادَ قائلـــــة أأُنفــــى

وهذا موطني والأهــــــــل أهلي!

وساقنا إلى تلك الخطوة الكثير من الدول التي تحمل همّ الخوف على لغتها التي تُعدّها وطنا لا يمكن التفريط به، وكان آخرها دولة الإمارات العربية الشقيقة التي أصدرت قرارا في 9 مارس/ آذار 2008 يقضي باعتماد اللغة العربية لغة رسميّة في جميع المؤسسات والهيئات الاتحادية؛ بعد أن شهدت اللغة العربية تراجعا في المعاملات الرسمية والأهلية.

وفي هذا الصدد لا ننسى المرحوم صاحب صناعة الفكر العربي عبدالوهاب المسيري والدعوى التي أقامها ضدّ الرئيس المصري حسني مُبارك يُلزمه فيها بتطبيق المادة الدستورية الخاصّة باعتماد اللغة العربية لغة رسمية في الوزارات والدوائر الحكومية.

أمّا العراق فقد أصدر قانون حماية اللغة العربيّة منذُ السبعينيات، واستحدث في ضوئه وظيفة المُدقّق اللُغوي في كل الدوائر التابعة للدولة، فلا يُجيز هذا القانون لأيّة دائرة أوقطاع أن ينشر مرسوما أو قانونا أو نشرة أو غير ذلك من تعليمات إلا بعد أن يُجيزها المدقق اللغوي، بل بلغ الاهتمام باللغة العربية إلى أكثر من ذلك بحيث يحقّ لأي مواطن يقرأ الصحافةَ العراقيّة أن يرفع دعوى قضائية ضدّ الصحيفة أو الكاتب إذا رأى أنّ ما كُتِب يُساهمُ في تشويه اللغة العربية أو تذوّق اللغة نفسها!

وكذلك ما تقوم به الدول الأجنبية الأخرى، كفرنسا التي لا تجيز كتابة أيّة لافتة بغير اللغة الفرنسية إلا إذا كانت حروف هذه اللافتة أصغر حجما من حروف اللافتة الفرنسية، ويتعرض صاحب المخالفة إلى جزاءات عقابية.

هذه نماذج فقط من الغيرة على اللغة الأم، التي نحن أحوج ما نكون إليها في وضع لغتنا البائس، وما تتعرض له هويّتنا من تدمير حتى من بني جلدتنا. بقي أننا نشد مرة أخرى على أيدي أصحاب المبادرة من الأخوة الشوريين، وأن يرى هذا القانون الضوء في أقرب وقت ممكن، وإن كان لنا بعض التحفظات على المواد التي تبناها المقترح لحماية اللغة العربية... مُباركتنا وتحياتنا لأصحاب هذا المقترح.

علي هلال

العدد 2297 - الجمعة 19 ديسمبر 2008م الموافق 20 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً