العدد 2297 - الجمعة 19 ديسمبر 2008م الموافق 20 ذي الحجة 1429هـ

كلمة وداع ووفاء... من ابن محب لأبيه

أبتاه... أيها الغالي العزيز، ها قد مرت الأيام ومضى على فراقك أربعين يوما، وقد رحلت إلى جوار ربك في يوم فضيل، يغبطك عليه الكثير من رحلوا من هذه الدنيا الفانية.

أبتاه... ستبقى ذكرى ذلك اليوم الحزين علي وعلى أهل بيتك وأحبائك خالدة، سلواها إيماننا بقضاء الله وقدره.

أبتاه... أكتب هذه الأسطر وأنا متألم على فراقك، كتبتها لأرثي نفسي وأرثي المنبر الذي افتقد أحد أجمل الخطباء الذين كرسوا حياتهم من أجل خدمة هذا الدين وإرساء دعائمه.

أبتاه... أنت قد فارقت الحياة جسدا، ولكن روحك بقيت فيي وفي أحبائك وفي كل زوايا البيت، وفي كل مكان وطأته قدماك

أبتاه... مازلنا ننهل من أنفاسك الطيبة ونتغنى بصوتك الحنون. رحمك الله مضيت وذكرياتك بقيت عالقة في ذهننا وأرواحنا، وستبقى حياتك بعبقها الإيماني القدوة الأولى في حياتي.

أبتاه... بعد أيام قليلة يطل علينا شهر لطالما انتظرته، أحببته فأحبك لترتقي فيه على منبر سيد الشهداء (ع)ترثيه وتقدم فيه العزاء إلى جده المصطفى (ص)، ولأهل بيته ومحبيه، إنه شهر محرم الحرام الذي خدمت فيه سنوات طويلة تزيد عن خمسين عاما، كنت تتنقل بين مآتمه راجلا على الرغم من المرض الذي ألم بك، فتطوي المسافات تغشاك سحابة اللطف الإلهي. ستشتاق لك المنابر، هنيئا لك فقد اخترت الإحياء هذه السنة مع أهل البيت (ع)في جنان الخلد.

أبتاه... لن أنسى روحك النبيلة وأفعالك الطيبة، على الرغم من آلام المرض واشتداده في الأيام الأخيرة، إلا أنك كنت تعصف به بقوة إيمانك، كنت تصل الأرحام ولم تنقطع عن صلاة الجمعة، وكنت حريصا على السؤال عن الجميع وتبادر لتأدية الواجب وتقديم المساعدة لمن يحتاج، لن أنسى حنينك إلى الخطابة، على الرغم من المرض الذي أقعدك، وعدم مقدرتك على الخطابة، فقد كنت تصدع بأبيات الرثاء الحسيني في البيت.

أبتاه... أمنيتك لن ننساها، كنت تتمنى زيارة الرسول (ص)في المدينة المنورة، وكنت تتمنى الخطابة في مأتم مدن من مطلع نوفمبر/تشرين الثاني ولكن الأجل قد وافاك قبل بلوغ ما كنت تتمناه، ولن أنسى دموعك التي سكبتها على خدك الجميل، والتي خضبت بها لحيتك البيضاء، كلما مرت ذكرى أهل البيت (ع).

أبتاه... يعز علي أن يمر شهر رمضان فلا أسمع صوت الأذان بصوتك الشجي ويعز علي وعلى كل أحبائك خصوصا أحفادك أن يقضوا العيد من دون جدهم الحنون الذي طالما رعاهم وأحبهم وجمعهم من حوله يلعب معهم ويقرأ لهم، وعندما أصر ابني «فاضل» على مرافقتك للخطابة في أحد الأيام، لم تكسر بخاطره فضممت يدك بيده وأخذته معك.

أبتاه... من الذكريات التي أحب أن أقف عندها، يوم ذهابنا لزيارة عمي خليل -شفاه الله بشفائه – كنت شديد التعب وقد اعتذرت عن المجيء للزيارة في بادئ الأمر، لكن سرعان ما غيرت رأيك وكأنك تستشعر أن هذا هو اللقاء الأخير الذي سيجمعك مع أخيك لتجلس معه وتسمعه بعضا من الأبيات الرثائية .

أبتاه... أختتم هذه الخاطرة المتواضعة بذكرى مؤلمة قد عذبتني كثيرا، عندما كنت على فراش المرض أتألم، قلت لي كلمات جميلة مازالت ترن في أذني، قلت لي ، عندما سمعتني وأنا أتألم، نسيت مرضك وحاولت جاهدا الوصول إلي، وجلست بجانبي فأحسست بدفء حنانك وأخذت تقرأ تحت رأسي آية الكرسي، شعرت حينها براحة نفسية كبيرة، ثم نقلت إلى المستشفى، عندما أفقت أخبروني أنك جيء بك إلى المستشفى أيضا، وكانت هذه هي النهاية، لم تعد بعدها إلى البيت. وبقيت الذكرى التي لن أنساها ما حييت، والتي حيرتني إلى هذا اليوم هي رفع يداك لي في آخر لقاء جمعني بك، وكأنك تريد قول شيء ما، ولكن المرض يمكنك أن تقول لي ما بخاطرك ...فليتني أعرف ما كنت تريد قوله، لأتمكن من تنفيذه لك.

ذكريات وكلمات المرحوم الخطيب الملا علي الشجرة، تحتاج إلى صفحات كثيرة، ستظل قاصرة في حقك أيها الوالد والمربي المثالي.

وداعا يا خادم الحسين وإلى جنان الخلد يا أبي العزيز... رحمك الله برحمته وأسكنك الفسيح من جنته وحشرك مع محمد (ص)وأهل بيته.

ابنك البار

عباس الشجرة

العدد 2297 - الجمعة 19 ديسمبر 2008م الموافق 20 ذي الحجة 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً