العدد 2076 - الإثنين 12 مايو 2008م الموافق 06 جمادى الأولى 1429هـ

رجل يبحث عن ضالته... ووجدها في «الكوثر للأيتام»

في بعض الأحايين يفاجأ الواحد منا بموقف إنساني من أحد أبناء هذا الوطن، يجعله يقف عنده طويلا بتأمل واسع، قد لا يجد المبررات التي دفعت ذلك الشخص إلى الانخراط في هذا العمل الإنساني أو ذاك، ولكنه قد يجد للعمل الإنساني بمختلف أنواعه وأشكاله المبررات التي تدفع بالأشخاص إلى الانخراط فيه، فكثير من الناس قد لا تكون لهم أدنى علاقة لا من بعيد ولا من قريب بمثل تلك الأعمال الإنسانية، وقد يكونون غائبين تماما عنها ولم يخطر ببالهم في يوم من الأيام أن يكونوا من ضمن حلقاته المهمة، ولكن المواقف الإنسانية في كثير من الأوقات هي التي تخلق المبررات التي تجعل ذلك الإنسان الذي لم يجرب العمل في مثل تلك الأعمال أن يتقدم بطلب ملح بأن يكون خادما وفيا في هذا العمل الإنساني أو ذاك...

لا أطيل عليكم، قد تريدون أيها الأحبة معرفة فحوى هذا الكلام، باختصار شديد، في يوم السبت نظمت جمعية «الكوثر للرعاية الاجتماعية» رعاية اليتيم مهرجانا صحيا، شارك فيه عدد من الأطباء الاستشاريين وعدد من الممرضات والممرضين، بالإضافة إلى مشاركة جمعية المرسم الحسيني بإجراء مسابقة في الرسم للأيتام، وقدمت في ذلك المهرجان إرشادات صحية لأمهات الأيتام اللاتي حضرن مع أبنائهن إلى مقر الجمعية بمنطقة سار، في ذلك الوقت الإنساني الرائع الذي ضحى فيه الأطباء والممرضون والممرضات وبقية العاملين بيوم إجازتهم من أجل أن يطمئنوا على صحة الأيتام، دخل شخص إلى مقر الجمعية التي تقام فيها ذلك العمل الإنساني بعد طلب الاستئذان من القائمين على مقر الجمعية بالدخول والإطلاع على ما تقدمه الجمعية في ذلك اليوم، الغريب في الأمر أنه لم يكن يعرف أن هذا المكان يقوم برعاية الأيتام، ولكنه - كما يقول - حدثته نفسه أن ما يراه لابد أن يكون عملا إنسانيا، وإلا كيف يقام في يوم إجازة رسمية؟

أخذ يتجول بين الأيتام وكأنه يبحث عن أمر ضيعه من منذ زمن بعيد، ثم سأل القائمين على رعاية الأيتام في الجمعية: من هؤلاء الصغار؟ قيل له هؤلاء أيتام، لاحت في وجهه علامات التعجب والدهشة أكبر من السابق، وبعد صمت لم يدم طويلا، سأل مرة أخرى: ومن هؤلاء؟ وأشار إلى الأطباء والممرضين والممرضات والعاملين والعاملات، قيل له هؤلاء متطوعون لخدمة الأيتام في يوم إجازتهم، عند ذلك توقف مع نفسه وهو يدير عينيه في كل زاوية في ذلك العمل وهو ينظر في وجوه الأيتام واحدا بعد الآخر وكأنه يقول لهم: أتريدونني أن أكون بينكم لأخدمكم؟ ثم طلب من الجمعية أن تقبله خادما لأولئك الأيتام أسوة بهؤلاء المتطوعين، وقال لهم اقبلوني خادما لهذه الفئة حتى ولو أقوم بكنس هذا المكان!

ويقول رئيس الرعاية التعليمية بالجمعية أن هيئة الرجل ومظهره الخارجي يوحي بأنه رجل مؤهل ومحترم ويحمل قلبا إنسانيا كبيرا وليس بالإنسان العادي لا في وظيفته ولا في علاقاته الاجتماعية ولا في وضعه المادي، وعندما طلب منه التعريف بنفسه، اتضح أنه كما يظن فيه، رجل يعمل في أحد المصارف محاسبا وبعد الانتهاء من عمله يعمل في أحد المعاهد التعليمية معلما، وتبين أن له مكانة مرموقة وظيفيا واجتماعيا... بهذه النفسية الراقية فتحت الجمعية له باعها لتحتضنه وتضمه إلى صدرها الإنساني لتشاركه في مشروعاتها الإنسانية الخيرة، وأعطته المجال ليحقق ما يطمح إليه من الثواب والأجر في الدنيا والآخرة، ومن حبه الشديد للعمل الذي التحق به كما يقول وهب كل أوقاته الخاصة للأيتام، فقرر إنهاء عقده مع المعهد الخاص الذي كان يعمل فيه، وأفرغ وقته إلى الأيتام ليقوم بتعليمهم ومساعدتهم في أداء واجباتهم المدرسية وتدريبهم على كيفية حل الواجبات بالتعاون مع مديرة «الكوثر التعليمي» والمشرفات اللاتي يقمن بدور كبير ويبذلن الجهود الكبيرة في تنمية مهارات الأيتام في اتجاهات متنوعة، فكان سعيدا بالنتائج التي وصل إليها في فترة وجيزة.

نقول دائما إن أبناء هذا الوطن أثبتوا في عدة مواقع إنسانية وخيرية أنهم أهل خير وإنسانية، وأنهم يقدمون التضحيات الجسيمة في سبيل هذه الأعمال، وأنهم لم يبخلوا يوما من الأيام في أن يقدموا العون والمساعدة لأي إنسان يحتاج إلى مساعدتهم، فهم يبذلون الجهود الكبيرة والأموال الهائلة من دون منٍّ ولا أذى، هذه هي سجاياهم، أطباعهم، وأخلاقياتهم السامية، لم ولن تتغير بتغير الزمان والمكان، فكلما ضغط عليهم الزمان وتضخمت الأسعار من حولهم زادوا من عطائهم وجهدهم من غير أن يطلبوا من المخلوقين أي مقابل مادي، وأمثال ما ذكرناه كثيرون على ساحتنا المحلية، لم يبق إلا أن نقول لكل إنسان على هذه الأرض الطيبة حافظوا على إنسانيتكم واشبكوا عليها بأيديكم وقلوبكم ولا تدعوا أحدا يسلبها منكم تحت أي عنوان أو مسمى زائف، فإنها كنز لا يعادله كنز لا في القيمة المادية ولا في القيمة المعنوية، فاعلموا أن العالم يغبطكم على ما تحملونه من إنسانية عالية، وأنكم بها دخلتم قلوب العالم من غير استئذان، وبها ترتقون بأنفسكم وترتقون بغيركم نحو الكمال الإنساني.

لن أبالغ ولن أجامل أحدا إذا ما قلت إن في وطننا نفوسا طيبة وخيرة تفوق كل النفوس في العالم الإنساني بدرجات عالية، ولا نملك ونحن نسجل بعض المواقف الإنسانية لأبناء البحرين، إلا أن نقول بارك الله في كل جهد ومال يبذل في سبيل الله، وبارك الله في كل نفس إنسانية طوعها صاحبها لخدمة الأيتام والأسر الفقيرة.

سلمان سالم

العدد 2076 - الإثنين 12 مايو 2008م الموافق 06 جمادى الأولى 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً