في سماء الحرية بعد أن حلقت الطائرة، وفي منتصف الليل ترفرف طائرة بين نجوم وأقمار، كنت في أشد شوقي وولهي وحنيني لعائلتي المبتعد عنها بعد ما عصفت بي الرياح، وضاقت بي الأرض بما وسعت، وتراكمت علي المصاريف فأخذت أبحث عن حل لتحسين أوضاع أسرتي فلم أجد حلا سوى الغربة، حيث مفارقة الأهل والأوطان... وأخذ أحمد وهو في الطائرة يسترجع ذاكرته في ذلك اليوم، إذ قرر السفر والتغرب عن الوطن ليستطيع العيش ومواجهة الغلاء وارتفاع الأسعار، وتأمين مستقبل أبنائه وتحسين أوضاعهم.
دار بينه وبين زوجته منى هذا الحوار:
منى باستغراب شديد: هل تريد السفر بعيدا عنا حيث العادات والتقاليد المختلفة؟ هل فكرت بنا؟ ما تأثير هذا القرار؟ وما تأثير غيابك وفراقك علينا؟
أحمد: إنني أفكر بالاغتراب ليس لشيء ما، فقط لأجلكم لأجلكِ لأجل أبنائي لأجل سارة وبدر، فأستطيع أن أوفر لكم كل متطلباتكم وحاجاتكم التي أعجز عن توفيرها الآن.
منى بحزن: ولكن التغرب والترحال والبعد عن الوطن هو أقسى نضال وهو أكثر صعوبة من أي أمر آخر.
أحمد: أعلم ذلك بالإضافة إلى علمي بأن واجبي كرب أسرة مواجهة صعوبات المعيشة والحياة، وسأفضل الغربة على الوقوف عاجزا عن إيجاد الحل.
وهكذا ودعتهم وسافرت وأنا أرسم على وجهي ابتسامة لأعطي أفراد أسرتي قوة وأملا بأنني سأرجع محققا لهم ولنفسي المستقبل الزاهر.
إنني الآن أتذكر أحوالي في بداية أيام غربتي مفارقا زوجتي وأبنائي معذبا بنيران البعد عن الوطن، اتصلت بزوجتي فرد علي ابني العزيز قائلا: من المتصل؟
أجاب أحمد: أنا أبوك.
بدر: أبي لقد اشتقت إليك كثيرا.
أحس أحمد في ذلك الوقت بصعوبة وشدة هذا الموقف عليه فها هو يكلم ابنه، وتبعده عنه المسافات الطويلة، وهو الآن يتمنى أن يقبله ويعانقه ليخبره بمدى شوقه وحنينه لوجهه البريء ولشقاوته ونقاء وصفاء روحه. بعد ذلك أخذ يكلم زوجته مبديا لها شعوره وأحاسيسه قائلا: ماذا أخبرك يا زوجتي؟ إنني عندما أسير في زحامهم يملأني الإحساس باليتم والوحدة التي تسري في عروقي هنا، فأظل حزينا وأتمنى رؤيتكم ومشاهدة وطني ذي المعالم المحببة إلى نفسي، فأبحث عن وطني وأبحث بين طيات هذا المكان الغريب عنكم، فلا أجد سوى الوحدة القاتلة.
منى: نحن أيضا نفتقدك جدا ونشتاق إليك، ونتمنى أن تمضي هذه الأيام بسرعة ونتجاوز هذه المرحلة من الحياة، ونستقبلك من جديد على أرض الوطن.
تمنت زوجتي وتمنيت أنا أيضا أن تمضي هذه الأيام بسرعة فائقة ولكن كما يقال دوما «ما كل ما يتمنى المرء يدركه... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن» فإن الوقت يمر ببطء، والصمت قاتل هنا، وبت أسمع صوت عقارب الساعة وأتساءل: هل يستحق هذا الأمر (تحسين أوضاعنا) الغربة لأجله؟
كان أحمد يشعر بالوله الشديد فيجلس وبين يديه أوراق كتبت عليها كلمات هي رسائل عائلته إليه، فيتنفس الصدق بين حروفها ويتضح شوق أحمد لهم وشوق عائلته إليه من بين السطور، فيضم بين كفيه هذه الأوراق وينادي بصوت غريب تاق إلى لقاء أحبابه والاجتماع بأعز الأشخاص في هذه الدنيا على قلبه فيتساءل: متى يجمع القدر بينه وبينهم؟
في اتصال جرى بينه وبين زوجته تساءلت منى: هل تذكرنا وتحنُّ إلينا؟
أحمد باستغراب: هل أنتِ تسألين هذا السؤال؟
منى: أريد أن تطمئن روحي وأعلم أنك تبادلنا الشعور بالشوق.
أحمد: إنني أتذكركم دائما، أتذكركم حينما تشتد بي رياح الحزن فأبحث عن بقعة أرض أتنفس من خلالها الفرح، حينها أتذكركم فيأخذني الحنين والشوق إليكم، ماذا أخبرك أيضا؟ هل أخبركِ عن السماء، السماء التي ظلت تمطر بغزارة فكأنها تبكي على حالي ووضعي في هذه البلاد، والشمس هنا دائما خجلة من وراء الغيوم فهي غائبة عني كغيابكم فأحن لطبيعة بلادي المشمسة الحارة، إنني أسافر بخيالي إليكم، وخصوصا في سويعات النوم، فأسمع صوت قلبي قد بات يئن وتأبى عيناي إلا أن تأخذني إلى هناك... حيث أنا وأنتِ وسارة وبدر مجتمعين حول مائدة الطعام تجمعنا روح الأسرة الواحدة المترابطة، أو نحن في غرفة الجلوس نتابع برنامجا أو مسلسلا في التلفاز، نتحاور ونتناقش وفي بعض الأحيان نختلف في الآراء، فآه كم اشتقت إلى هذه الجمعة، حيث الجو العائلي الذي يميز عائلتنا ويكسبنا التسامح والخصال الحميدة فتثور في نفسي رغبة في العودة.
منى: ولماذا لا تعود؟
أحمد: أفكر أحيانا في ذلك ولكن سرعان ما أرفض هذا القرار بشدة فكأنني أواجه ذاتي وفي اللحظة نفسها أفكر بأني لا أملك شيئا للرجوع، لقد ذهبت لتحسين أوضاعنا فهل أرجع إليكم خافضا رأسي مخذولا، لم أصل ولم أحقق مبتغاي، وأملي أن تكون أوضاعنا المالية أفضل.
كان أحمد لا يعلم كيف تمر الأيام، كان لديه أصدقاء من جنسيات مختلفة جمعتهم الغربة ومعاناة الفراق والاشتياق للماضي بحلوه ومره، فيحاولون أن يواسوا بعضهم بعضا، ويحاولون أيضا أن ينسوا هموم الاغتراب «وأن نعيش وقتنا هنا دون أن نحتسي مرارة طعم الابتعاد عن الأهل والعائلة». كم كانت فرحة أحمد كبيرة لا توصف، فكانت روحه تغرد من شدة الفرح، عندما اكتمل المبلغ المطلوب، وقرر حينها العودة للوطن للأهل والأصدقاء، قال لزوجته: إنني عائد إليكم، عائد وقلبي مليء ونابض بالحب تجاهكم، عائد أحمل معي شوقي وحنيني لكم. ذهب أحمد إلى منزله واستقبلته أسرته بلهفة ظاهرة، وحنين واضح. قال أحمد: الآن ارتوت روحي برؤيتكم، فلقد كنت أشعر بالموت يقترب مني، فأشتاق إليكم، فأحاول أن أنساكم للحظة فلا أستطيع ولا أنجح وأفشل فشلا ذريعا يخجلني أحيانا من معاودة هذا الاختبار على نفسي. فصحيح «بلادي وإن جارت علي عزيزة... وأهلي وإن ضنوا علي كرام».
وهكذا بعد غياب طويل التقى الرجل عائلته وجمعهم جو العائلة السعيد من جديد.
مريم عبدالعزيز علي حسن
الصف الثالث الإعدادي/ مدرسة الديه الابتدائية الإعدادية للبنات
بإشراف المعلمة الأولى:
مدينة المهدي
العدد 2076 - الإثنين 12 مايو 2008م الموافق 06 جمادى الأولى 1429هـ