لطالما أغرقتني أحلام سكنت فؤادي وتربعت عرش أمنياتي فصرت إليها أسكنها وتسكنني، أناجيها وتناجيني، أداعبها لتداعبني حتى صرت كالمجنون الأهوج بل العاشق المتيم الذي يهوى محبوبته ومن دونها لا يقوى على الحياة ولا المسير... وهو حالي حقا، فلو وأدتها في المهد لضعت وضاعت أنفاسي وسلبتها مخالب الليل!
وأخيرا ازدان ذلك اليوم العظيم مختالا... جاذبا روحي المعذبة من ذلك السجن العقيم... الضيق، إذ كانت تكسوه الظلمة فصار مرتعا للحشرات وبيوت العناكب التي تشمئز منها نفسي وتتركني في حال من التشنج والهستيريا، ولست أنسى تلك الروائح النتنة الخانقة الناتجة عن دخان السجائر والعرق و...! وكيف لي ألا أذكر تلك المقارع التي شوهت جسدي من دون ذنب إلى أن تركتني طريح فراش تلكم الزنزانة لا يناجي آهاتي وتألمي فيها سوى نشيجي ودموعي.
ها هي الآن قد صارت هباء وارتحلت كل كوابيس معاناتي عندما عانقت عيني شمس الأصيل بعد أن سكنت الظلام حقبة أحسبها كانت أطول من الدهر، وما إن رمقت أشعة الشمس حتى انسلت من عيني بعض الدموع واستولت على فؤادي مشاعر عدم التصديق غير أني هنا حقا في عالم الأحياء، ملكت حريتي بين يدي، تلفت هنا وهناك ألتمس بديع خلق الله في كونه، أحدق بالمباني الشاهقة والأشجار الباسقة زكية العطر والرائحة، صرت أرنو الأصيل في صورته الكاملة بعد أن نسيت هذا المنظر البديع بنسياني طعم الحياة وها قد بعثت أخيرا من مماتي!
أسرعت أحث الخطى نحو بيتنا العتيق الذي يقبع في وسط القرية الحبيبة، لكم تشتاقها وأهلها نفسي، وكما تصورته وعلمته هناك وجدته إلى جانب شجيرات الكرز تداعبه النسائم وقد خلت المنطقة من تلك البيوت المحيطة والتي تحولت إلى أنقاض ورماد، هممت نحو الباب مندفعا لألقى روحي هناك، إذ تركتها تهيم في أرجاء المنزل، شممت عبير أمي من ماء ورد وبخور، تلك كانت رائحتها التي تشبعها منزلنا عندما تهل علينا أهازيج الغبطة والسرور، بدأ خفقان قلبي يزداد عاليا وهابطا، تساءلت في نفسي: أيدرون يا ترى أني على وصول ولذلك أعدت أمي العدة لاستقبالي؟
بعدها، لم أعِ لنفسي إلا وأنا في أحضان أهلي وقبلاتهم، فتلك تزغرد والاخرى تبكي والثلة الباقية في عدم تصديق، أما أنا فارتحلت إلى غرفتي لأراها كما هي على حالها، استحممت ورتبت هندامي وجعلت العطر يفوح من ملابسي خارجا لأحيي أختي العروس بثوبها الأبيض لأطبع على وجنتيها قبلة فرح، مضى الوقت سريعا... تجاذبنا الحديث... قهقهنا... وأكلت ما لذ وطاب من طعام والدتي الذي أعشقه بنهم حتى انتهت مراسم حفل الزفاف وصار السحر، بت أخيرا على فراشي النظيف الذي اشتاقه جسدي الملظى بالجروح.
كانت تلك أعذب ليلة عشتها في حياتي والتي لم تكن سوى أحد أحلامي، أحلام سجين بائس فقد للحياة طعما بالفرحة والحبور، ويبقى الأمل في نفسي كامنا أن لابد يوما من الرحيل والعودة للحياة... أهدي هذا العمل المتواضع إلى جدي المرحوم عبدعلي حبيب العم.
زهراء أحمد عبدعلي العم
العدد 2080 - الجمعة 16 مايو 2008م الموافق 10 جمادى الأولى 1429هـ