العدد 2542 - الجمعة 21 أغسطس 2009م الموافق 29 شعبان 1430هـ

هل أستطيع أن أصف أمي المثالية؟

في ليلة جمعة ونحن جالسون في حجرة أمي التي اكتظت بأولادها وبناتها وأحفادها وحفيداتها الكبار والصغار، وإذا بإحدى حفيداتها توجه كلامها إليّ قائلة: يا خالي، أنت دائما تكتب عن مختلف الشخصيات البعيدة، لماذا لم تكتب حتى الآن عن جدتنا الغالية؟ لم أجد لسؤالها جوابا حاضرا في ذهني في تلك اللحظة، وبقيت أنظر إليها من دون أن أتفوه بكلمة واحدة، ولا يعني صمتي بأنني عاجز عن الجواب، وإنما كان صمتي يعني الخوف لو أني كتبت ولم أتمكن الإيفاء ولو بالجزء اليسير من حقها.

في تلك اللحظة استطاعت حفيدتها من غير إرادتها أن تحرك بسؤالها شريط الذكريات في ذاكرتي التي تمتد إلى زمن البيوت المصنوعة من سعف النخيل وسنوات الغوص وأيام الجيران الذين عشنا معهم كالأهل، فقلت في نفسي وأنا أقلب صفحات ذلك التاريخ البعيد، وأرى فيه شخصية الوالدة في عنفوان قوتها الجسمانية وفي كامل صحتها الجسدية، تتحمل أعباء تربية أولادها وبناتها الصغار في وقت غياب الوالد في حملة الغوص التي تستغرق عدة أشهر.

كانت في كل يوم تخرج إلى عين ارتوازية تسمى عين (المجنونة) التي تبعد 500 متر عن موقع منزلنا، وهي تقع بالتحديد في فريق الحطب المحاذي إلى فريق الفاضل الواقع في منطقة المنامة.

وفي تلك العين تتجمع النساء في الفترة الصباحية لغسل الأواني والملابس وأخذ كميات من الماء للاستخدام اليومي، فأمي كسائر نساء ذلك الزمان لها عدة جولات في كل يوم ذهابا وإيابا، الأولى: تحمل فيها الملابس من المنزل إلى العين وتعود بها بعد غسلها، تحملها على رأسها لتنشرها على الحبال الذي أعد لذلك لتجف بواسطة أشعة الشمس.

والثانية والثالثة تخصصها لجلب الماء من العين إلى المنزل للطهي ولقضاء الاحتياجات الأخرى.

وعند اقتراب وقت الظهير تبدأ بإعداد وجبة الغداء حتى وقت أذان الظهر، وعندما يحين وقت الصلاة نراها تفرش مصلاها وتستقبل القبلة وتصلي في خشوع، وبعد الصلاة تتضرع إلى الله جل شأنه، بأن يحفظ جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها من شر الأشرار وطوارق الليل والنهار، ولم تشعرنا في يوم من الأيام أنها مستاءة أو متضايقة من خدمتها لنا.

كانت دائما تشعرنا بالرضا على رغم تلك الظروف العصيبة التي أشرنا إلى جانب بسيط منها، كانت دائما تغرس في نفوسنا تقدير واحترام والدنا، وتجسد ذلك عمليا أمامنا، لهذا لن أتمكن أن أعطي وصفا دقيقا لنفسيتها ومعنوياتها السامية.

كانت تحتضننا بقلبها وروحها قبل صدرها، كنا نشعر بالأمان ودفء إنسانيتها الراقية وسمو أخلاقها العالية وجمال كلماتها التي تشبع أذهاننا وعقولنا ونفوسنا وأرواحنا منها التي تغنينا عن سماع أي كلمات من غيرها مهما كانت تلك الكلمات جميلة.

كان قلبها الحنون يستوعبنا ويستوعب كل أبناء منطقتنا، وإذا لم أبالغ أقول إن قلبها الإنساني كان ومازال يستوعب كل إنسان، فكانت الأم الحنون لكل أولاد حارتنا، ولهذا كان يلتف حولها أولاد وبنات تلك الحارة الجميلة بنفسيات قاطنيها، ولم تكن تسمح لنفسها أن تأكل حتى ولو كانت جائعة إلا إذا أطمأنت أننا جميعا شبعنا واكتفينا من الأكل، ولا تشرب حتى نرتوي.

كانت يداها مبسوطتان، كريمة إلى أبعد الحدود، لدرجة أنها لو تسمع بفقير يطرق الباب يطلب المساعدة، لا تتردد في أن تعطيه ما تملكه حتى ولو كانت هي بأمس الحاجة إليه.

ماذا بإمكاني أن أقول عن امرأة مثلت دور الزوجة بكل معانيه الفاضلة طوال حياة الوالد، فكانت تعطينا أمثلة حية وواقعية في احترام الأب، الذي بدوره كان يعطينا دروسا بليغة في كيفية تقدير الأم، وكانت ولا تزال الأم الحنون التي ترعى أولاها وبناتها وتغمرهم بالعاطفة والحنان الذي يجعلهم لا يحتاجون إلى حنان من أحد، فهي امرأة صابرة ومكافحة، همها أن ترى السعادة تغمر أولادها وبناتها وأحفادها وجيرانها وأحبتها وجميع الناس الذين تعرفهم أولا تعرفهم، من بلدها ومن هم من خارج بلدها.

كانت تتألم كثيرا عند سماعها ما حدث في غزة وما حدث من قبل في لبنان والعراق وغيرها من البلدان التي تتعرض إلى عدوان آثم، يؤلمها كثيرا قتل الأطفال والنساء والشيوخ، تلك المآسي تنسيها مرضها الذي أقعدها وجعلها حبيسة الفراش، على رغم ذهاب قوتها وتمكن المرض في جسدها لا يزال قلبها ينبض بالحنان والمحبة والمودة لكل الناس.

لم تنس أحدا من أولادها ولا من بناتها ولا من أحفادها، فكلهم في ذاكرتها ووجدانها وفي قلبها ومشاعرها، تراها في كل ليلة تسأل عن حال كل فرد في العائلة كبيرا كان أو صغيرا، ولا تغمض عينياها إلا إذا أطمأنت على حالهم جميعا.

جميلة في تحياتها وفي استقبالها لضيوفها وأحبابها، لا تمل من جلسائها ولا يمل جلساؤها منها، دائما تدعو إلى كل المسلمين بالصحة والسلامة، والجميع يدعو لها بطول العمر، لأنها تنظر إليهم (العائلة) على أنها الحلقة التي تقوي الروابط الأسرية بين جميع أفراد العائلة.

لم يتمكن المرض والألم أن يغير من طبعها وتطبعها الراقيين، فتأكدي يا ابنة أختي أنني لم أتمكن من الوصول إلى كنه نفسية جدتك عبر هذه الكلمات البسيطة وهذه المفردات المتواضعة، ولا إلى رقي إنسانيتها ولا إلى سمو أخلاقها.

تعلمنا من جدتك كيف نحب كل الناس ونود الأخيار منهم، وتعلمنا منها كيف نكظم الغيظ، تعلمنا منها كيف نسامح من يخطأ علينا، وتعلمنا منها كيف نصبر ونتصبر على البلايا، وكيف نقدر الكبير ونعطف على الصغير ونشفق على الفقير ونساعد المحتاج ونسعى للخير أين ما وجد.

وتعلمنا منها كيف نقوي إرادتنا ونشد من عزمنا إذا ما أقدمنا على أمر خير، وتعلمنا منها أن لا نبغض أحدا من الناس مهما اختلفنا معه في الرأي، هل وفيت ولو بقدر معين في تعريف جدتك يا حفيدة والدتي؟ وهل استطعت من خلال هذه السطورالمتواضعة أن أثبت إليك أنني بار لوالدتي؟

سلمان سالم

العدد 2542 - الجمعة 21 أغسطس 2009م الموافق 29 شعبان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً