محمد عز الدين الصندوق - كاتب وباحث من إنجلترا، والمقال يُنشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية www.min
18 سبتمبر 2009
لم يؤثر نشاط اجتماعي بالمجتمع الإنساني قدر ما أثرت وتؤثر التكنولوجيا. التكنولوجيا الآن هي عصب الحياة المعاصرة وأساسها. لا يمكن لأي مجتمع أن يبني ويعيش من دون تكنولوجيا. ومن يملك التكنولوجيا يملك السيطرة في مجال عملها. التكنولوجيا ليست جهازا أو مجموعة أجهزة. إنها منطق متكامل تشمل الابتكار والبحث والصناعة والاقتصاد والسياسة. وهناك الآن اتجاهات فكرية كبيرة تتناول التكنولوجيا.
التكنولوجيا الآن هي في كل مفردة من مفردات حياتنا مهما كانت بسيطة. نحن نعيش في بحر التكنولوجيا الهائل وتمثل التكنولوجيا الأوكسجين الذي لا حياة من دونه. إنها الآن أوكسجين الحضارة المعاصرة. إنها مسئولة عن الماء الذي نشرب والرداء الذي نلبس والدواء الذي نتعالج به والغذاء الذي نأكل وصوت الأذان الذي نسمع...
لقد تطورت التكنولوجيا المعاصرة على الأسس العلمية التي تم اكتشافها خلال القرون الأربعة الماضية. والمجتمعات التي ساهمت في تطوير المعرفة العلمية خلال تلك الفترة تمتلك الآن السيطرة التكنولوجية. لقد كانت المجتمعات الغربية صاحبة الأولوية في هذا البناء وهي الآن تملك زمام المبادرة الدولية في جميع جوانب الحياة.
القرون الأربعة الماضية هي التي تفعل فعلها الآن. ولو لاحظنا النشاط الاستعماري خلال تلك الفترة نجد أن النشاط التكنولوجي كان هو الأساس في توسيع وترسيخ الاستعمار. إن مصير العالم بيد اللاعب التكنولوجي. من جانب آخر عاشت الدول المستعمَرَة من قبل الاحتلال المتخلف مثل الدولة العثمانية (الرجل المريض) عصرا كارثيا فقدت خلاله زمام المبادرة التكنولوجية في عصرنا الراهن.
لقد عاشت دول الرجل المريض احتلالين الأول احتلال متخلف وبغطاء إسلامي والثاني متطور غربي وبأغطية مختلفة. لقد فقدت دول الرجل المريض إمكانية بناء التكنولوجيا أو لنقل توفير الأوكسجين لمجتمعاتها في عصرنا الحاضر. لذا دخلت هذه الدول القرن العشرين ولا تزال حتى الآن في حواضن الأوكسجين الغربي. لا يمكن لهذه الدول ضعيفة البناء أن تعيش منفردة (مستقلة) من دون تكنولوجيا أو أوكسجين الحضارة.
المعاصَرة بلا شك تعني لدى الكثير من العرب والمسلمين الغرب وإنتاجاته الفكرية والتكنولوجية. لذا دائما ما يتهم كل من يدعو إلى التحديث بأنه غربي في المجتمعات العربية وذلك لعدم وجود حاضر عربي متطور فالماضي هو الموجود الوحيد ولكي تكون عربيا مسلما يجب أن تعيش في الماضي! وعلى رغم أن هذه المجتمعات لا يوجد شيء في حياتها غير مستورد أو غربي المنشأ فإنها تقف أمام أي تحديث بتهمة أنه غربي.
مشكلة الاستعمار والدول المستَعمَرة في الوقت الحاضر هي مشكلة من يملك القوة ومن لا يملكها. والقوة في الوقت الحاضر هي قوة التكنولوجيا. لا يوجد الآن مجتمع قادر على الاستقلال بصورة مطلقة. الغرب عموما وحتى الولايات المتحدة الأميركية تعتمد في الكثير من مصادرها على دول العالم المختلفة ولكنها لحد الآن هي المصدر الأساسي للإبداع العلمي والتكنولوجي في العالم.
بالنسبة إلى الدول العربية التي فقدت زمام المبادرة العلمية منذ قرون فإنها تعيش بعيدا عن هامش الحضارة العالمية الآن. وأبعد ما تكون عن عالم العلوم والتكنولوجيا التي يمكن أن تسند مجتمعاتها. هذه المجتمعات لا تملك إمكانية الدفاع عن نفسها أو إطعام أبنائها بإمكاناتها الذاتية. إنها لا تزال تعيش مخلفات الرجل المريض.
لنأخذ العراق نموذجا، والعراق قد يكون أفضل كثيرا بإمكاناته العلمية من بعض الدول العربية والإسلامية. يمتلك العراق إمكانات صناعية كبيرة ولكنها مستوردة وليست هناك أية تكنولوجيا وطنية وكذلك الكثير من المواد الأولية الداخلة في الصناعة كانت تُستورد من الخارج وهو بذلك حاله حال كل الدول العربية. لقد كان العراق على المستوى السياسي مستقلا سياسيا ويفخر باستقلاله السياسي.
ونتيجة لكارثة سياسة متهورة عاش العراق حصارا دوليا استمر من أواخر العام 1990 وحتى العام 2003. على رغم أن هذا الحصار لم يكن حصارا كاملا مطلقا (هناك بعض التكنولوجيا كان من المسموح دخولها لأسباب إنسانية أو قد يتم إدخال البعض بطرق أخرى) إلا انه ترك مأساة حضارية كبيرة كان الشعب العراقي ضحيتها. لقد كانت السلطة السياسية أبعد ما تكون عن تصور الحجم الحقيقي للإمكانات التكنولوجية المحلية التي يمكن أن تلعب دورا بديلا في هذا الظرف القاسي ولكن كان الاستقلال السياسي الخدعة الكبرى التي تعيشها تلك القيادة ويعيش الكثيرون مثلها هذه الأحلام.
لقد أظهر هذا الحصار بوضوح الكثير من المشكلات وهذه البعض منها:
-1 مشكلة اعتماد العراق على الثروة النفطية فقط كمصدر تمويل وحيد تقريبا.
-2 مشكلة الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة وعدم وجود تكنولوجيا ذات جذور وطنية.
-3 الفجوة الكبرى ما بين البحث الأكاديمي المحلي والإمكانات الصناعية المحلية والتي هي أساسا تكنولوجيا مستوردة.
-4 البعد الحضاري الشاسع للفرد البسيط عن العلوم التطبيقية وإمكانية الاجتهاد الفردي في استخدامها في حياته اليومية.
-5 مشكلة علاقة السلطة بالعلم والتكنولوجيا.
-6 عدم وجود منظومة علوم وتكنولوجيا كفوءة ومترابطة ويمكن أن تطرح البديل.
لقد أعطى الحصار مؤشرا حقيقيا عن مدى هشاشة الوضع العلمي والتكنولوجي المحلي للعراق والذي هو بلا شك مماثل لدول المنطقة إن لم يكن أفضل من البعض منها. ولو تعرضت أية دولة من دول العالم العربي أو الإسلامي لما تعرض له العراق لربما عاشت مآسي أفظع وأكبر.
فهل كان العراق مستقلا؟ العراق لم يكن مستقلا لأنه لم يكن بمقدوره إدارة كيانه ذاتيا وبصورة كبيرة، إنه لم ولن يستطيع الخروج من الحاضنة التكنولوجية وبالتأكيد هو ذات الحال بالنسبة إلى كل الدول والمجتمعات في المنطقة.
إن كل هذه الدول وللأسف تعيش استقلالا بعيدا عن التكنولوجيا وهذا ما قد يُعَدُّ وهما كبيرا. وقد لا يكون حتى وهما إعلاميا لأنها لا تملك تصنيع تكنولوجيا الإعلام والدعاية. إنها لا تملك تكنولوجيا تصفية المياه لشعوبها لأنها تستوردها كمعلومة وكتكنولوجيا. لا تملك أية دولة من هذه الدول إمكانية صناعة اعلامها الوطنية بمصانع من تكنولوجيتها المحلية. ولا تستطيع أن تدافع أو تحارب إلا بالمقدار المسموح لها من قبل الدول المنتجة للسلاح الذي تشتريه. وحتى الكتب الدينية ومستلزمات الإرشاد الديني يتم استيراد أجهزتها من بلاد «الكفار» التي أبدعت وصنعت تلك التكنولوجيا والأماكن المقدسة هي الأخرى يتم تطويرها بتكنولوجيا يبدعها «الكافرون». والأدهى من ذلك تتبارى الشركات الصناعية الأجنبية على توفير مستلزمات دينية محلية بإطار تكنولوجي معاصر مثل الساعة التي تطلق الأذان. أو أجهزة البحث عن القبلة...
والطامة الكبرى لهذه الدول أو المجتمعات أن يعيب أحدها الآخر على مدى استقلاله وكأن كل واحد منها قطب عالمي فريد. لقد فقدت تلك المجتمعات إمكانية أن تكون دولا مستقلة منذ أن فقدت حرية التفكير ورضت الاستعباد الفكري المؤدلج منذ قرون. إنها لا تملك سوى حدود رسمها اللاعبون التكنولوجيون، أما داخل الحدود فيمكن أن تلعب بمقدراته الدول المصنعة للتكنولوجيا. ورحم الله امرئا عرف قدر نفسه.
العدد 2570 - الجمعة 18 سبتمبر 2009م الموافق 28 رمضان 1430هـ