وديع عواودة- صحافي فلسطيني، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند»
08 أكتوبر 2009
يقع المواطنون العرب في «إسرائيل» في خطأ كبير إذا ما استمروا في إدمان خطاب الضحية والاكتفاء بتحميل «إسرائيل» وحدها المسئولية عن كافة عيوبهم.
يترك غياب النقد الذاتي مجالا قليلا من احتمال القيام بما يعزز مناعتهم ويحصن جبهتهم الداخلية. تحتاج هذه المشكلة حتى تنال علاجها الشافي في داخل المجتمع العربي لتشخيص سليم من خلال النظر إلى مسبباتها وعوامل تفاقمها، والمشاركة في ضمان الوقاية منها بالفعل الحقيقي على المدى الطويل.
لم تتردد «إسرائيل» منذ العام 1948 في استغلال الصدمة القومية ورحيل طبقات النخب الاقتصادية والثقافية الفلسطينية، واستخدام أدوات مختلفة لضبط وتدجين العرب الباقين، الذين بلغ عددهم وقتها 150000 نسمة وباتوا مليونا وربع المليون اليوم، ممن عرّفتهم بـ «عرب إسرائيل» ويُعرفون اليوم بـ «فلسطينيي 48» بلسان أشقائهم في العالم العربي. ومن أبرز هذه الأدوات فرض الحكم العسكري على المجتمع العربي والذي استمر حتى العام 1966.
لكن المجال الأهم الذي كانت ولاتزال تستخدم فيه «إسرائيل» مستوى عاليا من السيطرة على المجتمع العربي هو جهاز التربية والتعليم. لم يعد سرا أن جهات سياسية ومخابراتية إسرائيلية تحدد مضامين التعليم للعرب وتتدخل بتعيينات المعلمين والمديرين والمفتشين، وسبق أن اعترف وزيرا معارف سابقان، شولميت ألوني ويوسي سريد بذلك.
كذلك سعت «إسرائيل» لمنع تطورهم نحو أقلية قومية لها استحقاقات يكفلها القانون الدولي، فعملت على تكريسهم مجموعة طوائف، حفاظا على رؤيتها لنفسها كدولة يهودية - ديمقراطية لا دولة لكل مواطنيها، واستغلت الفوارق الطائفية والمنافسات الحمائلية علانية وسرا للحيلولة دون نضوجهم جماعة قومية، وذلك عبر أدوات السياسة والإعلام والتربية والتعليم. إلا أن العرب يميلون للمضي في تعليق كافة المسئولية عن الندوب والأدران الطائفية في جسمهم على حبال «إسرائيل» فقط.
يشارك المواطنون العرب في الواقع بأنفسهم بإذكاء نار الطائفية بدوافع بدائية ولأهداف سياسية أحيانا. وتكتفي فعالياتهم السياسية الاجتماعية الأهلية بالتقليل منها واستنكارها، والتصدي لها ببيانات صحافية فحسب كي يحرر أفرادها أنفسهم من تبعات العلاج «المكلف». بل تكرس بعض الأحزاب العربية النزعات الطائفية باعتماد نظام المحاصصة في تركيبة قوائمها الانتخابية.
توّجت أحداث شفا عمرو الأخيرة سلسلة شجارات ذات صبغة مذهبية وقعت مؤخرا في قرى ومدن عربية، واختلف السياسيون والمراقبون حيال قراءتها. هل هي «حادثة سير» أم حصيلة تفاعلات اجتماعية متراكمة تحتاج لعلاج جذري لا لدلو ماء بارد؟
لا تداوي الاستكانة لـِ «المؤامرة» في تشخيص ما جرى في شفا عمرو وفي عيلبون والمغار وطرعان وأبو سنان والناصرة، وكنس، النزعات الغرائزية المتزايدة لدى المجتمع العربي تحت السجادة، لا تداوي الداء بل تتيح استشراءه سيما ونحن محاطون بظواهر مقلقة مشابهة في لبنان ومصر وغيرها.
وكانت الناصرة قد شهدت العام 1997 أزمة خطيرة تدخلت فيها جهات إسرائيلية وعربية ودولية، كادت أن تحرق المدينة، نجمت في الأصل عن نزاع محدود حول قطعة أرض، ومحاولات بناء مسجد مجاور لكنيسة البشارة عليها.
ويبدو أن المدينة لم تفرغ من لملمة جراحها الاجتماعية بعد، إذ تستمر توترات دفينة تكرسها شبه قطيعة اجتماعية وتؤججها مواسم انتخابات البلدية. ويكتفي قادتها حتى الآن بشجب الطائفية أو بمسيرات شعبية في أعياد الميلاد بمشاركة رموز دينية واجتماعية إسلامية ومسيحية. فهل يغني ذلك عن برامج تربوية تثقيفية وبناء مؤسسات اجتماعية ثقافية جامعة لكل أجيال المدينة؟
تنمّ تصريحات قيادات بارزة في شفا عمرو وخارجها، ترفض رفضا قاطعا توصيف أحداث شفا عمرو بالشجارات الطائفية، داعية للحذر من قاموس السلطة الإسرائيلية، تنمّ عن غيرة مفهومة على وحدة البيت الواحد لكنها غير مجدية.
كذلك شهَِِدْنا مؤخرا تصريحات متواترة ندد معظمها بالعنف وبالسماح بخروج شيطان الطائفية من مكامن الغرائز، مساهمة في إطفاء النار. إلا أن بعضها الآخر، على رغم صدورها عن رجال دين، صب الزيت عليها.
يُعتَبَر التنديد والإدانة واللوم والعتب والنقد عمليات مشروعة ومستحقة ومطلوبة، وبأعلى صوت ممكن. لكن ما الفائدة من تصريحات انفعالية تدغدغ الغرائز ولا تعزز أمن أحد أيا كان ولا تُغني عن العلاج بنَفَس طويل وبحكمة وبعمل جماعي للتقليل من مخاطر اندلاع فتن مذهبية واتساعها.
يمكن للقيادات العربية إرساء فعاليات الوقاية بتدعيم المرافق المشتركة داخل المدينة الواحدة، بدءا من روضة الأطفال، مرورا بالمدارس بكافة مراحلها وانتهاء بفريق كرة القدم وسواه، إضافة إلى تبنّي رؤية وخطة تربوية. وينبغي تطبيق ذلك بمنهجية، بعيدا عن الشعارات. فالاكتفاء بتصريحات إيجابية لا يختلف كثيرا عمن يعمل على تحلية مياه البحر بمعلقة سكر.
يؤكد ما يجري أن إعادة ترتيب البيت مهمة حارقة تستدعي «تسامحا أكثر من تجميلي»، يسبق ويُزامِن مقارعة السلطة من أجل نيل الحقوق. يتوجّب على لجنة متابعة التعليم العربي أن تعمّق تدخلها في مجال تربية القيم والهويّة، ولم يعد مجرّد اتهام وزارة المعارف فقط مقنعا أو كافيا.
لا بأس هنا من تأكيد المؤكّد: «الدين لله والوطن للجميع». ولكن التربية على التسامح واحترام الآخر المختلِف، وعدم النظر لهويته المذهبية للحكم عليه وعلى أعماله وسلوكه، تحتاج لممارسة عملية داخل كل بيت ومدرسة وعلى مدار العام.
وتدلل التجارب على قوة التربية في استثمار الطاقات الإيجابية المكنونة في المجتمع نحو بناء التسامح وترسيخه بين شرائحه، وهذا ما واظب عليه الفلسطينيون بأغلبيتهم العظمى، حيث يزخر تراثهم بالقصص حول التآخي الحقيقي.
وتعكس شهادات شفوية كثيرة رسوخ قيم التآخي والتفاهم والوئام وتروي عادات اجتماعية سادت القرى العربية حتى الأمس القريب. كما تسود المجتمع العربي اليوم شبكة صداقات وعلاقات اجتماعية ومصالح مشتركة علاوة على مخاطر مشتركة كفيلة بأن تثمر جهودا تحصّن من فيروسات «حمى الطائفية». ولا يُخطئ من يراهن على دور انتشار الوعي العام في إعاقة من يسعى للمتاجرة بهذه الطائفية لأطماع شخصية أو سياسية.
العدد 2590 - الخميس 08 أكتوبر 2009م الموافق 19 شوال 1430هـ