كانت حياة الإنسان البدائي بسيطة جدا لدرجة السذاجة ولكن لا أؤيد إطلاق كلمة سذج على الإنسان البدائي؛ وذلك لنقص الخبرة الحياتية وعدم وجود تاريخ مليء بالحوادث وعدم ولادة التطور. الآن وبعد تاريخ طويل متضخم بالمجريات والتطورات وبعد تقدم العمر بالزمن يُباح إطلاقها - أي السذاجة - على من يعيشون حياة البدائي في هذا العصر.
البدائي الساذج هو الذي يقف نقيضا للفطرة الإنسانية التي زرعها الله عز وجل في البشر وتلك الفطرة عبارة عن السعي لتطوير الإنسان بالعلم، حتى يصب مجرى الشلال في بحيرة المعرفة الحقيقية لله سبحانه وتعالى وللطبيعة، ومن النزعات الممنوحة إلى الإنسان هي حاجة التفكير، التي يُطلق عليها أحيانا الحاسة السادسة. فمن الضروري أن نفكر، أن نرقى بما هو حديث، لا أن نعيش كما عاش السلف منا، ولا أن نفكر كما فكروا، ولا أن نقول كما قالوا أو نتخذ كما اتخذوا. اليوم هو مختلف، حوادث جديدة، شاء القضاء أن تحدث، فليشاء أيضا أن تتماشى أفكارنا معها، وهي الأفكار الجديدة. إستنادا لما آل لديكارت إذ قال: أنا أفكر إذا أنا موجود؛ علينا أن نتيقن أننا بحاجة للتفكير، وإن الوجود الحقيقي لا يتمثل فقط بالوجود الكياني من دون أن يشغل حيزا من الفراغ ، فبذلك يكون كما العبد الذي يتلقى أمرا فينحني مستجيبا من دون معرفة نتيجته، بل يتسع الوجود باتساع الفكر والتأمل. هنا من الضروري أن نشير إلى أهمية التفكير وأهمية ملازمته. هكذا فهم ديكارت الطبيعة؛ هو أن التأمل والتفكير سبيلان ناجحان لمعرفة الطبيعة وكيفية الانسجام مع الحياة بشتى انعطافاتها التاريخية.
ويكمل ديكارت عبارته الفلسفية (... وأنا أشك إذا أنا موجود)، إذ يلفتنا إلى أهمية الشك، ويضع لها وجودا معنويا مهما وضروريا، ازداد أهمية بعد ظهور الأفعال المشينة للبعض الذين يحرّمون ويكفرّون ويخوّنون كما تفعل بعض القيادات سواء كانت دينية أو فكرية، والذين يسدون الأفواه ويقيدون الحريات ويفرضون القوانين، والذين استخدموا هذا المصطلح المعنوي بالطريقة اللا صحيحة.
هؤلاء المتعصبون يرجعون بأنفسهم لما وراء التطور، إلى عصر بدائي، غلوا أنفسهم في جب الظلمات والتأخر والتخلف، لأنهم يحدون من حرية التفكير، وهنا قال الشاعر :
فإلى متى بالذيل نبقى دونما تطوير
نحيى على ما نرتضي لكن بلا تصدير
وبنا عقول تبتغي كي ترتقي التحرير
فلقد أريقت باسم دعـوات إلى التبشير
أبدا ولا تعرف سوى التقديس والتقدير
تبعية للغـير من دون الرأي والتفـكير
أحمد الدفاري
العدد 337 - الجمعة 08 أغسطس 2003م الموافق 10 جمادى الآخرة 1424هـ