يتعرض الرئيس الأميركي باراك أوباما الآن للهجوم من قبل أصدقائه وأعدائه على حد سواء بسبب استعداده للبحث عن أرضية مشتركة حول قضايا تتراوح بين الرعاية الصحية وكوريا الشمالية.
«ليست الأرضية المشتركة هي دائما الأرض المرتفعة»، يكتب ليون ويسلتير في “New Republic”، «وهي تُعلِم الطرف الآخر أن ما ترغبه بصورة أكبر هو الصفقة، وأنك لن تعترف أبدا بحتمية الفروقات، ولن تقتنع أبدا بسلامة المعارضة. هناك سبب لكون تعبير «لا يقبل التسوية» تعبير استحسان».
يعكس هذا الكلام سوء فهم عميق لما يعنيه البحث عن أرضية مشتركة، فهو يعني أن الرئيس الذي لا يحبس نفسه في موقف محدد مسبقا يرتكز على المبادئ، يظهر ضعفا نوعا ما، وسوف يقبل في جميع الحالات بأقل قاسم مشترك. إلا أن انفتاحه على مجال واسع من الآراء، كما هو حال أوباما بوضوح، لا يعني أن الرئيس سوف يقدم تنازلات فيما يتعلق بالقضايا الجوهرية.
الواقع أن الانفتاح أساسي في عملية إيجاد أعلى قاسم مشترك، والذي يمكن تعريفه على أنه حل يمكن العمل معه ويرضي احتياجات ورغبات مجال واسع من الأتباع والمصالح.
تعرض الرئيس السابق جورج دبليو بوش لانتقادات واسعة لأنه اتخذ الاتجاه المعاكس، الذي وصفه خصومه بأنه لا وساطة فيه. ويذكر الجميع قوله «أنت إما معنا أو ضدنا».
ما التوجه الذي يريده الأميركيون حقا إذا من الرئيس؟
ربما تكون الإجابة كليهما، حسب الظروف.
من الواضح أن هناك أوقاتا يحتاج فيها الرئيس لاتخاذ موقف واضح لا يلين، كما فعل رئيس الولايات المتحدة السابق فرانكلن روزفلت عندما أعلن أن الحرب العالمية الثانية لن تنتهي إلا بالاستسلام غير المشروط لألمانيا النازية. رغم ذلك، كان هذا الحل مجديا لأن الحلفاء كانوا يملكون قوة كاسحة لتنفيذه.
وكما يمكن لأوباما أن يشهد، وهو يحاول الآن أن يقرّ قانون إصلاح الرعاية الصحية أو التفاوض مع كوريا الشمالية، فهو يفتقر إلى القدرة على فرض عزيمته.
كذلك كان الحال أيضا مع كانوت، ملك الفايكنج الإنجليزي، الذي أمر أن يُحمل عرشه إلى شاطئ البحر، ثم أمر المدّ أن يتوقف عن التقدم، فابتلّت قدماه.
هناك طيف واسع من أساليب القيادة، على أحد طرفيه الشخصية السلطوية التي تحكم بالأمر والنهي. وعلى الطرف الآخر يوجد هؤلاء الذين يسمحون لوجهات نظر الآخرين أن تحدد أعمالهم. أما في الوسط فهناك قادة يبحثون عن مجال واسع من الآراء كجزء رئيسي من عملية صنع القرار، ومن الواضح أن بوش كان «مقررا»، بينما ينزع أوباما نحو الأسلوب الوسيط.
يتبع أوباما في هذا المجال خطوات الرؤساء المحافظين والليبراليين على حد سواء. خذ رونالد ريغان على سبيل المثال. لم يتنازل ريغان أبدا عن معتقداته الأساسية بأن الشيوعية كانت نظاما شيطانيا، إلا أنه تفاوض على سلسلة من اتفاقيات الحد من التسلّح مع السوفييت، واحتوت على حلول وسطى اعتبرها هو والرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف على أنها في مصلحة البلدين.
أو خذ بالاعتبار ليندون جونسون، الذي كان من أنصار الحقوق المدنية لجميع الأميركيين وفي الوقت نفسه صانع صفقات من الدرجة الأولى، قام بمتابعة تشريعات رائدة عبر الكونغرس، من خلال الإصرار على مجموعة من المبادئ العامة ومن خلال القيام بحلول وسطى في تشكيل تحالفات ثنائية الأحزاب.
وجد هؤلاء الرؤساء، ومعظم الرؤساء الناجحين الآخرين أرضية أعلى كانت في صالح الدولة.
لا شك أن السبيل الأفضل لإيجاد حلول أرضية مشتركة هو الإصغاء باهتمام لهؤلاء الذين يملكون معتقدات مختلفة، وممارسة الشمولية واستنباط ما هو أفضل من المواقف المختلفة.
يعلم معظم الأميركيين في حياتنا الفردية ذلك، ويرفضون اتباع ما هو مطلق، ونحن ندرك أن الإصغاء وأخذ وجهات النظر الأخرى بعين الاعتبار ينجح بشكل أفضل من اتخاذ مواقف متصلبة.
من المؤكد أن معظمنا يملك وجهات نظر ليبرالية ومحافظة في الوقت نفسه، ونجد عادة طرقا للجَسر بينها. وعندما نلتزم بموقف واحد، بغض النظر عن المبادئ التي ينطوي عليها، وننغلق أمام البدائل، فإن حياتنا تنزع لأن لا تعمل بشكل جيد. ترتكز العلاقات الناجحة دائما تقريبا على إيجاد أرضية مشتركة من أجل الفائدة المتبادلة للأطراف ذوي العلاقة.
لماذا يصعب إذا على الأميركيين أن يتقبلوا رئيسا يتصرف بنفس الأسلوب في قيادة بلده؟
رغم أنه ليس من السهل بالنسبة للعديد من الجهابذة والسياسيين قبول ذلك، يبدو أن الأميركيين يريدون رئيسا مستعدا للوصول إلى حل وسط من أجل الصالح المشترك. يرنو معظمنا بالتأكيد لزعيم يستطيع فعليا حل مشاكلنا الوطنية، ويتطلب هذا عادة إيجاد أرضية مشتركة
العدد 2620 - السبت 07 نوفمبر 2009م الموافق 20 ذي القعدة 1430هـ