العدد 2635 - الأحد 22 نوفمبر 2009م الموافق 05 ذي الحجة 1430هـ

الغجر العراقيون بين التحسر على الماضي و ظلم الحاضر

تحيط سواتر ترابية وخنادق للمياه الآسنة بقرية الزهور حيث تعيش عائلات من الغجر من دون ماء وكهرباء، وتعاني من الفقر بعد حرمانها من العمل في العراق الجديد الموغل في التشدد الديني والاجتماعي.

وتنتشر النفايات والأنقاض في أزقة القرية. أطفال ورجال من دون عمل يتجولون بين أكواخ من الطين لا نوافذ لها ولا أبواب في حين جلست نساء للاستراحة بعد يوم تسول طويل في مدينة الديوانية القريبة، جنوب بغداد.

وفي مكان مجاور، تفوح روائح كريهة جراء تصاعد أعمدة الدخان من قمامة تحترق في إحدى شوارع القرية.

وكانت أحوال الغجر إبان حكم حزب البعث العلماني قبل 2003، أفضل بكثير. فقد كان الرجال يعملون مغنين أو عازفين ماهرين، فيما تنشط نساؤهم في الرقص كما هو حال معظم الغجر في بلدان الشرق الأوسط، بعد مجيئهم من الهند قبل مئات السنين.

ومع تصاعد نفوذ القوى الإسلامية المتطرفة في العراق، تعرضت قرية الزهور إلى هجوم مطلع العام 2004 شنته ميليشيات متشددة تعتبر الغجر منحلين وترى أنهم يمارسون عملا غير أخلاقي.

وأعقب الهجوم بقنابل الهاون والأسلحة الرشاشة، سرقة كل محتويات القرية ومنازلها، وفقا لما يقوله الباقون من سكانها.

وتؤكد رغد هنومي، إحدى نساء القرية ببشرتها السمراء وعيناها السوداوان، وهي تجلس على سجادة ملطخة بالأتربة «نعيش كالكلاب».

وتضيف هنومي، بينما كان يحيط بها عدد من النسوة أنها توقفت عن التسول في الديوانية (160 كلم جنوب بغداد)، «لأن المسئولين في المحافظة يقولون (ليس لديكم أي حقوق) وطردوني، حتى الناس يرفضون أن يبيعوا لنا عندما نذهب للتسوق ويقولون انتم (غجر)».

ولم يبق أمام نساء الغجر اليوم إلا ارتداء نقاب يغطي وجوههن عندما تتسولن في المدينة بحثا عن لقمة العيش.

من جانبها، تقول لمياء حالوب صاحبة وجه أسمر «نخرج يوميا من الخامسة صباحا حتى الثالثة ظهرا للتسول لأنهم أغلقوا جميع أبواب العيش بوجهنا وتركونا نموت».

أما الرجال، فيتذكرون بحنين أيام الأفراح والحفلات في الأعياد طوال الليالي والأعراس وحفلات العائلات والسهرات الخاصة للأثرياء.

ويقول خالد جاسم وهو يغطي رأسه بكوفية حمراء وبيضاء اللون «قبل العام 2003 كنا نستطيع العمل، نعزف الموسيقى في المناسبات والأفراح والحفلات الفلكلورية».

وأضاف «لكن منذ ذلك الوقت، لم يتبق لنا شيئ. لماذا؟ لأن عاداتنا لا تتماشى مع التقاليد الإسلامية».

وتابع «يقولون لنا إن الفنانين لا مكان لهم في العراق، الفن انتهى!». وتساءل «أي بلد هذا، هل هناك مكان لا يوجد فيه فن»؟

وقال بعصبية «قل لي ماذا أعمل؟ جندي أم شرطي أم حارس أو عامل»؟

وبهدف حمايتهم من التعرض لهجمات جديدة، أقامت الشرطة نقطة تفتيش على مدخل القرية التي غادرها معظم أهلها.

ويقول عضو لجنة حقوق الإنسان في محافظة الديوانية، عباس محمد السعيدي إن «الهجوم الذي تعرضت له القرية دمرها بشكل شبه كامل وتحولت المنازل إلى أنقاض مبعثرة بلا ماء أو كهرباء أو أبسط الخدمات الإنسانية».

ويؤكد أن «عدد العائلات التي كانت تسكن القرية انخفض من 450 إلى 120 ولم يبق منهم سوى الأكثر فقرا».

ولا تتوافر أرقام دقيقة عن أعداد الغجر في العراق، لكن قادتهم يقولون إن عددهم يبلغ نحو الستين ألفا.

وبالنسبة لهم، الأمل بحياة أفضل أصبح معدوما.

ويقول رجل الدين وإمام الجمعة في الديوانية حافظ مطشر، إن «الإسلام يعتبرهم منحرفين عن الطريق الصحيح والأمل ضعيف بعودتهم إلى الصواب».

ويضيف أن «أهل القرية يمارسون الدعارة التي حرمتها الشريعة الإسلامية ومن الطبيعي أن ينظر إليهم المجتمع نظرة دونية ويصر على عزلهم».

العدد 2635 - الأحد 22 نوفمبر 2009م الموافق 05 ذي الحجة 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً