تعلم القرآن على يد والدته لمدة سنة، وبعدها تولت تعليمه أخته التي تصغره في العمر «فاطمة» وزوجته «السيدة شريفة» وبعدها أصبح حافظا للقرآن ومعلما له. درس علم النحو ذاتيا وأخذ التجويد بالاستماع فقط.
تعلم القرآن على يده -دون مبالغة- المئات من أهالي القرية ومن خارجها، وكانت طريقته في التدريس تقليدية جدا ولكنها أنتجت أجيالا وأجيالا من القراء.
وكان التلامذة يمرون بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: يدرس الطالب صغير السن على يد زوجته في المنزل ويحفظ الحروف وحركاتها.
المرحلة الثانية: ينتقل الطالب لمصنع النسيج في المزرعة ويدرس على يد الطلاب الذين أنهوا الجزء الأول والثاني من القرآن.
المرحلة الثالثة: ينتقل الطالب لأخذ دروسه من الحاج عبدالعظيم مباشرة وهو يصنع النسيج حيث التجويد والأحكام الأخرى وكنا نحاذر أن نخطأ لأن لديه عصا للأخطاء حيث يقول قوله المشهور»العصا لمن عصى» فلذلك كنا قليلي الخطأ في القراءة، والذي يتغيب من غير عذر يتلقى عقابا خاصا. وعندما نكمل القرآن ندرس المبتدئين.
مقابل هذا التعليم بعض الأهالي يعطون أبناءهم شهريا 500 فلس كأجر رمزي، وكنا نستأنس عندما يطلب منا معلمنا أن نحصد الفاكهة مثل الجواف والجيكو والرمان والبابي والعنب والخضروات من المزرعة ونبيعها في القرية ونأتي له بالنقود ويعطينا منها «إكرامية» كما يطلق عليها ويأخذ الباقي.
في شهر رمضان تفتح المجالس ولا تكاد تدخل المجلس إلا وفيه طالب للحاج عبدالعظيم وإذا قال صدق الله العلي العظيم يضيف معها «معلمي عبدالعظيم».
يتميز مجلس الحاج عبدالعظيم بالحضور الكبير للطلبة وكل واحد منهم يريد أن يسمع الناس صوته وقراءته الصحيحة ويتباهى أمام الرجال الحاضرين في المجلس وكان هذا الأسلوب يجذب الصغار ويدفع أهالي القرية أن يدرسوا عند الحاج عبدالعظيم.
كان الأهالي يحثون أبناءهم على الدرس ويراقبونهم ويسألون عنهم المدرس هل حضروا أم لا؟
وفي كل يوم يكلف أحد الطلبة بإحضار (ترمس شربت) لنشربه في ذلك الجو الحار وتحت مضلة مصنع النسيج في المزرعة، وعند إنهاء القرآن نأتي بالحلوى لتوزيعها على الطلبة وهدية تسلم للمعلم المرحوم الحاج عبدالعظيم.
كان الحاج عبدالعظيم أحد كبار القرية ذوي التدخل المجتمعي في حل القضايا الاجتماعية، وله رأي مطاع وله فضل كبير في تأليف شمل الكثير من العوائل.
مصدر عيشه بعد الله بيع النسيج وما تنتجه يده ومزرعته من فواكه وخضروات. لم يكن لديه ذرية ولكن كل أبناء القرية أولاده إذ إنه ربّاهم على الاخلاق الإسلامية، فهو ليس معلم قرآن فقط وإنما كان مربيا فذا حتى أننا لا نكاد ننطق بكلمة خطأ حتى أمرنا بالإتيان بها بالشكل الصحيح.
رحمك الله وجعل الجنة مثواك وعوضنا بك بمن سواك.
عبدعلي خير
العدد 2331 - الخميس 22 يناير 2009م الموافق 25 محرم 1430هـ