بادئ ذي بدء، في عرف الأمة العربية والإسلامية، إلقاء التحية، وهي عادة حميدة من عاداتنا التي ورثناها عن آبائنا آباء الحضارة التي اغنت العالم منذ فجر التاريخ، أي ان لها جذورا في عمق التاريخ حتى قبل ان يمكن التنبؤ بوجود قارات مثل اميركا واستراليا وبعض من القارة الاوروبية. نحن الآن نقول عندما ندخل اي مكان أو نقف امام اي إنسان أيا كان هذا الانسان: «السلام عليكم» وعندما نلتقي بصاحب مفرد لنا أو صديق أو فرد من عائلتنا نقول: «السلام عليكم» من هنا فإني واتباعا لهذه العادة الحميدة ألقي عليكم يا اساتذتي في اميركا وفي كل مكان تلقيت فيه المعرفة التحية بالقول: «السلام عليكم» ولمعرفتي المسبقة بأخلاقكم الرفيعة وعلمكم الرفيع فإنكم ستردون التحية بأحسن منها وتقولون كما نشتهي ان تقولو: «وعليك السلام».
اساتذتي في الولايات المتحدة المحترمين طبعا جميعكم يا من بذلتم الجهد في تعليمي وتعليم كثير من الطلبة من كل مكان في العالم، اساتذتي جميعكم: الاوروبيين واليابانيين والعرب والإيرانيين والاسبان والافارقة، اي انتم يا من تشكلون عصب الولايات المتحدة، اي انتم حاملي راية العلم والثقافة، اي انتم يا من تؤمنون بالدين المسيحي اي انتم يا من تؤمنون بالدين اليهودي، اي انتم يا من تؤمنون بالدين الاسلامي، اي انتم يا من تؤمنون بالديانات الوضعية اي انتم طبعا الذين لا تؤمنون بإله محدد ولكن لكم إيمانكم الخاص النابع من قناعتكم وفلسفتكم ومساحة الحرية التي منحتكم إياها بلدكم التي هي الولايات المتحدة. انتم الذين كنتم يوم درستموني في نهاية سنوات خدمتكم اي انتم الذين ستخرجون من سلك التعليم إلى التقاعد، وأنتم يا من كنتم في ربيع عمركم وفي أول سنوات التدريس في الجامعات منكم الرجال والنساء ومنكم من له اطفال ومنكم من ليس له اطفال ومنكم من لم يمتلك منزلا ومنكم من يمتلك منزلا ومنكم من يمتلك قصرا ومنكم من يستأجر مسكنا لكونه من ولاية غير الولاية التي يعمل فيها انتم يا من دخلت منازلكم ولكن قبل ذلك دخلت قلوبكم وتناولت معكم عشاء عيد الشكر «ثنكسغفينغ» وجالستكم على طاولات أعياد الميلاد ودخلت معكم المساجد والكنائس والمعابد والسنياغ، وأكلت معكم الديك الرومي وخروف العيد والكوشري وذهبت معكم في رحلات بعض منها إلى الجبال حيث الثلج والبرد والتزلج وبعض منها إلى البحر حيث السمك الوفير وبعض منها إلى الانهار والبحيرات حيث الماء زلال وبعض منها إلى المزارع حيث الخيرات من فواكه ورطب ومن كل ما لذ وطاب، وذهبت مع بعض منكم إلى المتاحف وصالات العرض حيث الفن والثقافة من كل بقاع العالم وذهبت مع بعض منكم إلى الكرنفالات واعياد المدن واشهرها: «عيد الورد والزهور» في «ارويغن»، ومع بعض منكم إلى المطاعم منها تلك الشهيرة لديكم ولدى العالم أجمع المسماة بمطاعم الوجبات السريعة وتلك المطاعم التي وفدت اليكم من كل بقاع العالم، وذهبت مع بعض منكم إلى الصيد بالصقور مثل ما هو عندنا تماما غير انكم تستعملون التقنية الحديثة في هذه الرياضة، وذهبت مع بعض منكم إلى الندوات والمحاضرات في موضوعات مختلفة منها السياسي كما هي في حملاتكم الانتخابية، وخصوصا لـ «الحزب الديمقراطي» وتلك الندوات العلمية والتاريخية والادبية لمشاهير الأدباء والساسة والفنانين، كما جلست مع جلكم على طاولات المقاهي وشربنا قهوتكم التي لا يمكن ان تضاهي قهوتنا إلا أن لها طعمها الخاص وهي عندكم كم وهي عندنا نوع. اساتذتي جميعا الذين لم يروا فيّ سوى طالب باحث عن العلم والمعرفة، اي انهم لم يرو فيّ عربيا قوميا متحجرا ولم يرو فيّ مسلما متزمتا، اعني جميعكم المسيحيين والمسلمين واليهود ومعتنقي الزن والمورمين.
اساتذتي الافاضل، تعلمون اني عرفتكم ببلادي كثيرا تارة عبر النقاشات الطوال وتارة عبر المعارض الفنية التي اقيمها، تذكرون جيدا اني اعلمتكم إننا لسنا نفطا وجمالا، فقد اخبرتكم بأن لديكم من النفط ما يزيد عن ما لدينا بمرات ولديكم من الجمال والخيل ما يزيد عن ما عندنا، الفرق الوحيد بين نفطنا ونفطكم هو ان نفطنا يباع برخص التراب لأن كلفة انتاجه زهيدة جدا مقارنة بكلفة إنتاج نفطكم لانكم تدفعون بسخاء إلى الذين يستخرجونه من باطن الأرض ويكررونه ويحملونه عبر شوارع بلادكم الواسعة، كما اخبرتكم بأن جمالكم لا ترتقي إلى مستوى جمالنا من التحمل والصبر والسبب في ذلك أنكم دللتم جمالكم كما دللتم مستخرجي نفطكم واخبرتكم ايضا بأن خيلنا اجمل من خيلكم بكثير ولها تاريخ طويل، وأني اتوقع في القريب العاجل انكم ستغيرون من جينات (موروثات) خيلكم لتصبح اجمل من خيولنا فما عليكم وعلينا سوى الصبر الذي لا نعرفه مع ان نبي الله ايوب منا. وإني على ما أظن قد اخبرتكم بان تراثنا الغذائي غني جد وانكم مهما عملتم وتفننتم لن تستطيعوا ان تلحقوا بنا في هذا المجال حتى وان غزت كل اشكال مطاعمكم السريعة بلداننا.
اساتذتي الافاضل هاهي الذكرى المؤلمة الاليمة الثانية لـ «تفجير» الابراج في مدينة «نيويورك» وأعني كما اعرف انكم تعرفون ما أعني «برجي التجارة العالمي» وحزني الكبير يكمن ليس في خسارة الابراج المشيدة فنحن في هذه البقعة من العالم نعرف الابراج منذ آلاف السنين وهي ليست بيننا الآن لأن عوامل التعرية والاهمال ضيعتها غير انها في كتب التاريخ والكتب السماوية مذكورة، جاء في «القرآن الكريم»: «أينما كنتم يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة» (النساء 78) وأني لا أشك بأن التوراة والانجيل قد ذكرا الابراج ايضا، لكن يكمن حزني الشديد على الارواح التي قضت نتيجة ذلك الحدث المؤلم، ويكمن حزني ايضا في اننا وانتم لم يكن في وسعنا تدارك الأمر قبل حدوثه، لكن نحن نؤمن كما انتم تؤمنون: «المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين» ومن ناحيتكم ارجعوا إلى قوانين «مرفي» ففيها الكثير مما تعتقدون فيه.
اساتذتي ابراجكم الاسمنتية هي من صنع رجالاتكم الذين ابهروني جدا حين زرت الابراج عدة مرات منذ سنوات عدة وصعدت المصاعد التي تأخذ إلى ما فوق السحاب في لمح البصر، ابهرني ليس بالبناء ولكن بما يوجد داخل البناء من عقل يعمل على مدار الساعة لتحقيق الرخاء لكم في مجمل تعاملاتكم، وهذا الذي بهرني مازال موجودا بينكم ولم تخسروه فهو على استعداد ان يبني لكم مليون برج بدل ما سقط سهوا.
اساتذتي الافاضل، إنه ومنذ سقوط تلك الابراج الاسمنتية ورئيسكم السيد «جورج بوش» يلومنا لوما شديدا مع ان بعضا منكم اعلن مسئوليته عن الحادث، وهو يريد ان يقتص من الفاعلين ويظن انهم عندنا في ديارنا وهو في كل يوم يعلن «حربه على الارهاب» ونحن نعلن معه حربنا على الارهاب فما اظن انه يوجد إنسان عاقل لا يحارب الارهاب. غير انه ومع حربه هذه قد اساء الينا واليكم، اساء الينا بأنه وضعنا في خانة «بن لادن» وخانة «صدام حسين» وجعلنا مسئولين مسئولية مباشرة عن جميع افعالهما، وهو بهذا العمل قد اصابنا في مقتل. منذ 11 من سبتمبر/ ايلول يوم سقوط البرجين حتى اليوم ونحن في دوامة، وهي دوامة اخذت معها ابراجنا واعظم هذه الابراج التي اخذتها هذه الدوامة هي ابراجنا الانسانية التي جهدنا جهدا كبيرا جدا لصنعها وجهدت هي ايضا جهدا كبيرا لصنع نفسها ورقيها وقد استغرق البعض منها 40 عاما أو اكثر. ابراجنا، اساتذتي الافاضل هي عقولنا البشرية التي كنا نتطلع اليها ونرى فيها الشعلة التي ستنير لنا الطريق للمستقبل المزهر كما هي شعلة نصب الحرية الذي ينير لكم الطريق للمستقبل. اساتذتي ابراجكم اسمنتية وابراجنا انسانية نرجو ان تعلموا الرئيس بذلك عسى ان يغير مجرى الأمور. وشكرا لمساعدتكم، ودمتم سالمين.
حسن الصحاف
العدد 405 - الأربعاء 15 أكتوبر 2003م الموافق 18 شعبان 1424هـ