العدد 2660 - الجمعة 18 ديسمبر 2009م الموافق 01 محرم 1431هـ

تضخم الدين العام في العالم قنبلة اقتصادية موقوتة

الأوضاع المالية في بريطانيا تثير قلق المستثمرين

لم يكن هناك أدنى شك في أن حكومات العالم ستعتمد على الاقتراض لتوفير الأموال اللازمة لتمويل برامج تحفيز الاقتصاد المختلفة التي أطلقتها مطلع العام الحالي لمواجهة تداعيات أسوأ أزمة يتعرض لها الاقتصاد العالمي منذ الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين.

ولكن لم يكن المستثمرون يتصورون أن يتضخم الدين الحكومي إلى هذه الدرجة المثيرة للقلق وبخاصة في دول باتت أوضاعها المالية في مهب الريح مثل اليونان وأيرلندا وايسلندا وإسبانيا وحتى الولايات المتحدة وبريطانيا.

وقال نائب رئيس مؤسسة «مواطنون ضد التبذير الحكومي» وهي منظمة غير حكومية أميركية تراقب الإنفاق الحكومي ديفيد ويليامز: «حتى العام الماضي كان العجز في الميزانية الأميركية حوالي 400 مليار دولار، ولكن الرقم قفز الآن إلى 1.4 تريليون دولار».

وفي الوقت الذي كان قلق المستثمرين يتزايد بشأن قدرة العديد من الحكومات الغربية على سداد ديونها الباهظة خرجت مجموعة دبي العالمية العملاقة لتعلن الشهر الماضي عجزها عن سداد أقساط الديون المستحقة عليها ومطالبتها للبنوك الدائنة بتأجيل سداد أقساط تبلغ 3.5 مليار دولار تستحق في منتصف ديسمبر الجاري، وذلك لمدة ستة أشهر.

وأثار إعلان مجموعة دبي قلقا كبيرا في أسواق المال العالمية بسبب خوف المستثمرين من تطور الموقف إذا ما خرجت دولة أخرى تطلب تأجيل سداد أقساط ديونها أو تعلن عجزها عن سداد هذه الديون في سيناريو أسوأ.

وقال المحلل الاقتصادي في مؤسسة مومينت سيكيوريتز للاستشارات المالية مارك أوستفالد إن «أكثر ما يثير القلق في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة هو أن هذا المستوى من الاقتراض الحكومي لم يحدث إلا في أوقات الحرب».

وأضاف أن الأمر يبدو غير طبيعي بكل الصور. ويرى أن الأوضاع المالية لكل من بريطانيا والولايات المتحدة هي الأشد إثارة لقلق الدوائر المالية لأن الدولتين مازالتا تتمتعان بالاستقلال المالي.

أما إذا واجهت إحدى دول منطقة اليورو مثلا شبح الإفلاس فإن باقي دول المنطقة سوف تتدخل لإنقاذها. فمن مصلحة الدول الأوروبية الكبرى التدخل لمنع إفلاس أي دولة من دول المنطقة حتى لا يتهدد مشروع الوحدة الأوروبية ككل. في الوقت نفسه فإن بعض الدول التي تعاني من عجز متزايد في ميزانيتها مازالت تقول إن الأمور تحت السيطرة.

وقال مدير إدارة التمويل والديون في وكالة إدارة الخزانة الوطنية بأيرلندا أوليفر ويلان لوكالة الأنباء الألمانية إنه رغم ارتفاع نسبة القروض لتمثل ما بين 15 و16 في المئة من إجمالي موارد الحكومة العام المقبل فإنه يتوقع استقرار الدين العام بحلول 2012.

ولكن بريطانيا التي لم تنضم إلى منطقة اليورو شهدت قفزة كبيرة في دينها العام من 695 مليار جنيه إسترليني (1.14 تريليون دولار) عام 2008 إلى 829.7 مليار جنيه إسترليني العام الحالي. بالمثل فإنه من المتوقع ارتفاع الدين العام من نحو 10 تريليونات دولار عام 2008 إلى 12.9تريليون دولار خلال العام الحالي.

ورغم ذلك فإن قلة قليلة هي التي تتوقع انهيارا ماليا لكل من بريطانيا والولايات المتحدة على غرار الانهيار المتوقع لدول أخرى مثل اليونان. فالقوى الاقتصادية الأخرى في العالم لن تستفيد من انهيار قوة اقتصادية مثل الولايات المتحدة لآن هذه القوى تدين الولايات المتحدة بديون باهظة ومن مصلحتها الحفاظ على قدر من الاستقرار المالي لواشنطن من أجل الحفاظ على قيمة ديونها. ومع ذلك فالمشكلة سوف تستمر.

وقال أوستفالد: «إن التخلص من عبء هذه الديون الضخمة سوف يستغرق وقتا طويلا». وأضاف «ويجب أن نشعر بالقلق بشأن هذا الموقف لأن هناك خطرا كبيرا آخر يتمثل في أنه إذا لم يتم تقديم خطط موثوق بها لكبح جماح عجز الموازنة فسيظهر خطر خفض التصنيف الائتماني لهذه الدول».

وفي حالة خفض التصنيف الائتماني لتلك القوى الكبرى فإنها سوف تضطر لدفع سعر فائدة أعلى للحصول على القروض التي تحتاج إليها من السوق الدولية. وفي هذه الحالة سوف ينتقل سعر الفائدة المرتفعة إلى باقي أجزاء الاقتصاد وفقا لنظرية الأواني المستطرقة وهو ما يهدد عملية التعافي الهش التي تشهدها الاقتصادات الغربية.

وفي ألمانيا قال مدير رابطة دافعي الضرائب الألمان راينر هولتس أنجيل: «لا اعتقد أن قطاعا كبيرا من الناس يدرك ما ينتظره في المستقبل».

وأضاف أنه رغم عدم التناسب بين إيرادات الحكومة وإنفاقها فإن الاقتصاد الألماني سيتعامل مع عاصفة الديون بصورة جيدة لأن أغلب الأحزاب السياسية في ألمانيا متفقة على ضرورة كبح جماح موازنة عام 2011». ويتفق أوستفالد مع هولتس أنجيل فيقول: «إن الاقتصاد الألماني يعتمد بدرجة أساسية على التصدير وأن أغلب الدول المستوردة تتمتع بوضع مالي جيد».

ولكن أوستفالد يحذر من أن الصورة الإيجابية قد لا تستمر طويلا بالنسبة لألمانيا في ظل زحف الأزمات على دول مجاورة مثل أوكرانيا ورومانيا وبلغاريا وصربيا.

ويضيف أن المشكلة تكمن في أنه إذا سحبت الحكومات برامجها الإنفاقية الضخمة فإنها ستوجه ضربة قوية إلى الاقتصادات التي باتت تعتمد بدرجة كبيرة على الإنفاق الحكومي.

العدد 2660 - الجمعة 18 ديسمبر 2009م الموافق 01 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً