«فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف». (قريش:106)
الاسلام يتحدث عن علاقة الانسان بالله سبحانه وتعالى وعلاقة الانسان بالمجتمع وعلاقة الله بالانسان وعلاقة المجتمع بالانسان.
فتوفير الطعام وتوفير الأمن مطلوب... ولكننا نجد في هذا العصر وهذا التقدم الانساني في التكنولوجيا افتقاد وفقد العالم هذين العنصرين - الرئيسيين - فالعالم يفتقد الأمن ويفتقد الطعام.
وفي ظل هذا الجو وذكرى تحرير وثيقة حقوق الانسان في الأمم المتحدة في 10 ديسمبر/ كانون الاول 1948م أي ما يقارب 55 عاما وفيه اجتمع ممثلو الدول وقاموا بكتابة وتثبيت وثيقة حقوق الانسان تلك الوثيقة التي تتركز على شيئين هما:
- أن الانسان له الحق في ان يعيش حياة كريمة طيبة يحصل على طعام ويحصل على أمان.
- أن له حرية القول وحرية الرأي وحرية السفر.
في حين نرى ونسمع أن الويلات، الحروب، المجاعات، القتل، التشريد، القصف، وقد طالت تلك المصائب ودخلت وعمَّت الكثير ولم تكتف حتى دخلت الى البقاع المقدسة وأولها الاقصى الشريف... وأمتدت لتشمل حتى المراقد الطاهرة في العراق الجريح.
ولم يسلم الطفل ولا الشيخ ولا المرأة... فأين السعادة؟ أين سعادة الانسان التي تتلخص في رغيف الخبز والأمان؟
هذا الأمان الذي يطلبه الانسان في داره، في وطنه، فيجد الراحة، من دون تدخل أي احتلال، فلا سلب ولا طرد ولا سجن ولا...
تلك هي حقوق الانسان والتي أسسها الدين الاسلامي... وعمل بها الرسول الأكرم (ص) وطبقها الأئمة والصالحون.
تلك الحقوق التي استشهد من أجلها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) فحينما وليّ الخلافة وجد العالم مجموعة من الظلم والظلام ورأى الناس يُسحقون ومقدساتهم تسرق وكراماتهم تهدر، فلا طعام ولا كرامة ولا فضيلة للانسان ولا سعادة.
وقد وصَّف أبو ذرالغفاري الناس قبل تولية الامام علي الخلافة «كان الناس وردا بلا شوك فأمسوا شوكا بلا ورد».
ففي بيعته للخلافة وتغير الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الاسلامي... ازداد تمسكه الشديد بهذه الحقوق والذوذ عنها واتضح ذلك من خلال ممارسته اليومية للسلطة ومن خلال تربيته للمسلمين وغرس مبادئ الاسلام في نفوسهم والتي في مقدمتها مبادئ حقوق الانسان.
ولأن السلطة لم تكن في نظره غاية أبدا في حد ذاتها... فقد امتزج مفهوم حقوق الانسان بحقوق الامة لديه... اذ لا يمكن ان تحترم حقوق الانسان وتصان الا في مجتمع الحق والحرية والعدل الاجتماعي.
وكان أزهد الناس... وقبل ان يتولى المسئولية الأولى في جهاز الدولة الاسلامية (الخلافة) وجاء الناس المسلمون لمبايعته بالخلافة دقق وركز على ان يكون أداة لمقاومة مظاهر الحيف والانحراف لارجاع الحقوق الى اصحابها.
وتمسك (ع) بالحق وكان صارما في تطبيقه على رغم ان الكثير من سادة قريش وزعماء العرب اخدوا يعادونه ويلتحقوا بصفوف الظلم والمجرمين... وقد ضاقوا وخصوصا بالتسوية في القسمة بينهم وبين العامة وهم الرؤساء... ولكنه (ع) كان واعيا ولم يتنازل قيد أنمله عنهم.
«وقد عرفوا العدل ورأوه وسمعوه ووعوه وعلموا ان الناس عندنا في الحق سواء فهربوا الى الاثرة فبعدا لهم وسحقا».
وتجاوز (ع) في الدفاع عن حقوق الانسان في المجتمع الاسلامي ليشمل المجتمع البشري كله.
ففي الكوفة كان (ع) يمشي مع كاتب بيت مال المسلمين عبدالله بن رافع فرأى شيخا كبيرا جالس يستعطي فالتفت الى عبدالله بن رافع وقال: يا عبدالله ما هذا؟ كيف يوجد فقير في عاصمة الاسلام؟ فأجابه بن رافع يا سيدي: هذا رجل مسيحي... فقال (ع) وان كان مسيحيا فهو مواطن فقد اشغلتموه حتى اذا اتعبتموه تركتموه؟ اعطوه ولا أريد ان ارى مثل هذا الحال.
وأعطى كل ذي حق حقه دفاعا عن انسانية الانسان ولم يترك رجلا ولا امرأة الا وأعطاهم حقهم في كل مجال.
وعندما (ع) يصلي في مسجد الكوفة أتت اليه امرأة عجوز اسمها سويدة عمرها 60 عاما فسلم عليها وردت عليه السلام وعرَّفته بنفسها وانها قد قدمت من بلاد افريقيا قائلة له: «ان الوالي الذي جعلته علينا ظالم لنا».
فما كان منه إلا ان أخرج قرطاسا من جيبه وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: «إنك معزول»، وأعطى كتاب عزل الوالي بيده هذه المرأة حتى ينظر في القضية».
وفي أحد اوقات الصلاة كان (ع) يصلي وقد خلع درعه ووضعه بجانبه فجاء رجل مسيحي وأخذ الدرع.. ولما فرغ الامام (ع) من صلاته قال: يا هذا ان هذا الدرع لي... والمسيحي يقول: لا هذا لي.
واليد عند الفقهاء حجة وعلى المدعي البينة... وعلى الامام علي (ع) الاتيان بشهود.
فجاء الامام بالمسيحي الى القاضي... وهو الزعيم الاسلامي... يحتكم الى شريح القاضي.. فالتفت شريح القاضي الى الرجل المسيحي وسأله عن إسمه: فأجاب جرجيس. وقال له: ما تقول يا جرجيس؟ قال: أقول إن هذا الدرع لي. قال: وأنت ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فأنتقض الامام وتغير.. قال يا شريح ما أنصفت الرجل ناديته باسمه وسميتني بكنيتي.. وهنا مكان المساواة، وأنا أقول هذا الدرع لي. فقال له: أعندك شهود على ذلك؟
قال له الامام: لا. فقال القاضي اذا الدرع للمسيحي يأخذها.
فخرج المسيحي وبيده الدرع والامام ساكت جالس ينظر الى المسيحي حتى وصل الى الباب... رجع وقال الله اكبر.. رجل مسيحي في عاصمة الاسلام يحتكم الى أمير المؤمنين امام شريح القاضي فيحصل على الدرع؟
هذا هو الاسلام... وأنا أشهد إن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
فتلك هي المسئولية... فأين الآن المدافعون عن حقوق الانسان؟ فقد قال (ع): «اعلموا رحمكم الله أننا في زمان القائل فيه بالحق قليل واللسان عن الصدق كليل واللازم للحق ذليل...» قالها حينما رأى المدافعين عن حقوق الانسان في عصره قد أصبحوا قلة.
هدى آل رحمة
العدد 476 - الخميس 25 ديسمبر 2003م الموافق 01 ذي القعدة 1424هـ