العدد 342 - الأربعاء 13 أغسطس 2003م الموافق 14 جمادى الآخرة 1424هـ

زيارة لمرقد الإمامين في النجف وكربلاء

عبر الأرضية الرخامية لمرقد الإمام الحسين مرّ سهيل بإنائه المعدني البلاستيكي. وأشار أولا إلى بقعة حمراء (على الجدار) وقال: «هذه آثار قنبلة ألقاها الأميركيون، وتلك علامة أخرى أيضا».

وكان الزوار المسلمون الشيعة يتعبدون بين آثار تلك الحرائق، بينما تتجه اعينهم إلى الواجهة الذهبية للمسجد الذي يمثل - من وراء القضبان الفضية التي يلثمها المؤمنون- المكان نفسه الذي يخلد حقبة معركة تاريخية كانت أكثر حسما في تاريخ البشرية من أي صراع خاضته الولايات المتحدة في تاريخها، إذ قتل الإمام الحسين في العام 680 ميلادية.

وقد نفت القوات الاميركية سقوط اية قذيفة مدفعية على الحرم عندما فتحت النار على المسجد الحسيني قبل أكثر من أسبوعين فحسب. والدليل الذي يقدمه سهيل يثبت خطأ الأميركيين. فعلى إحدى القذائف كتبت الكلمات التالية:

« Cartridge 44 mm Red Smoke Ground Marker» وعلى الأخرى كتبت « White Star Cluster M 585»، وهكذا... فمن الغريب أن تجد أشياء غريبة كهذه تقرأها في اماكن دينية اعتاد المتعلمون فيها على التركيز على دراسة سور القرآن، بدلا من لغات العولمة لتجارة الأسلحة!

ولكن أحد حراس ضريح كربلاء، أحمد حنون حسين، قتله الاميركيون عندما وصلوا لمساعدة الشرطة العراقية في مواجهة السرّاق المسلحين بالقرب من الحرم. ويصر سهيل على ان الجنود الاميركان أرادوا دخول الحرم - وهو السيناريو المستبعد منذ صدرت أوامر للبقاء بعيدا عن جواره - ولكن أربع رصاصات اخترقت الجدار الخارجي. وسألني سهيل بصراحة: «اننا اناس مسالمون، فلماذا نحتاج إلى هذا؟ أتذكر كم عانينا تحت حكم صدام؟» وأشار إلى هجوم آخر تم فيه تدنيس المكان، وكان الأثر هذه المرة ظاهرا على إحدى المنارتين المذهبتين، عبارة عن شرخٍ أحدثته قذيفة أطلقتها جحافل صدام خلال الثورة الشيعية الكبرى في العام 1991.

وعندما تسافر على الطريق الملتهب بين كربلاء والنجف لا يمكنك الا أن تتساءل هل أبقى صدام للأميركيين شيئا من الحقد؟ وهل ان الدكتاتور العظيم كان فظيعا إلى درجة غدا معه الشيطان الاكبر أقل شيطانية، وأقل خطرا؟ ويظل يصدمك أن ترى عربات الهامفي الأميركية تجتاز الشوارع بين الأضرحة الإسلامية، والقباب الشيعية المذهّبة تتلألأ تحت وهج الحر.

ثم ان الشهادة - ولنستخدم هذه الكلمة قليلا للتغيير - بالنسبة إلى الكثير من العراقيين الشبان الشجعان كانت تعني غرف التعذيب في مخابرات صدام حسين، والقتل الجماعي في الصحراء إلى الشمال، كلها هوّنت ما يرتكبه الاميركيون من أخطاء، على الأقل في الوقت الراهن.

لنأخذ عمرو راشد، بائع الكتب الذي تكتظ مكتبته بكتب التفاسير والشعر والقرآن، على بعد مئة متر من جدران مرقد الإمام علي في النجف. وداخل الصحن تجد مئة شاب عراقي من العمارة عليهم عصائب خضراء يعزون، يلطمون صدورهم بأيديهم فيما يمسك رجلٌ عليه عمامة بيضاء مكّبرا للصوت ويجر اثنان من الشباب الوسيمين عربة (ترولي) امامهم.

يقول صاحب المكتبة: «عندما تتحدث إلينا اميركا فإنها تتحدث بلغة العصور الوسطى». وأشار إلى صورة كبيرة لأبيه المتوفى على الجدار، وكان يشبهه غير انه لا يرتدي الكوفية. وتحدّث عن تاريخ تجارة عائلته بقوله: «جدي وأبي أدارا هذه المكتبة، فنحن ننشر الكتب منذ 45 عاما. ولكننا واجهنا مشكلات حتى عند طباعة كتب إرشاد بسيطة للزيارة، فأنت أعطيتني توا بطاقة زيارتك، في السابق كانوا سيضعوني في السجن لسبعة أشهر ويحققون معي كل يوم عما قلته لك، ويسألونني هل أعطيتك أية معلومات؟».

راشد من مؤيدي الحِبْر الشاب مقتدى الصدر، وما يدعو إلى تشريفه انه ابن آية الله محمد صادق الصدر، «المرجع» الرئيس في النجف الذي يرجّح ان الشرطة السرية لنظام صدام دبرت اغتياله في حادث «سيارة» مشبوه قبل أربعة أعوام. ولكن مقتدى ليس مرجعا مثل خصومه، ودعوته الاخيرة الى دولة علمانية دينية مشتركة تم تقويضها بطريقة ما برفعه الدعوة إلى جيش إسلامي شيعي من دون سلاح.

مقتدى ادان مجلس الحكم المؤقت الذي شكله الاميركيون والذي ضم اثنين من خصومه، وطرح سؤالا محرجا: «ما الفائدة من معارضة نظام صدام إذا كان عليّ الآن أن أصافح الأجنبي المحتل»؟ وأسماه «مجلس الظلم»، وكان هناك من تساءل ما إذا كان سيقبل الحكم الانتقالي فيما لو دعي إلى الانضمام إليه. وبالنسبة إلى شخص مثل عمرو راشد، انها مسألة امتداد عائلي، وهي نسخة اخرى ربما من شركة العائلية للنشر. يقول: «الجدران الخارجية للمرقد هنا تعود الى 200 عام، وأسرة مقتدى الصدر يعود تاريخها إلى 650 عاما. وعندما بنيت جدران المسجد كانوا هنا بالفعل منذ اكثر من قرنين، وعائلة عبدالعزيزالحكيم والسيستاني والآخرين لا يعودون إلى ذلك المدى. وبعضهم يغارون من مقتدى لانه ذكي جدا والناس يعتبرونه بطلا. وأبوه كان يتكلم في خطبه ضد الشيطان، وكان الناس كلهم يدركون انه يقصد صدام. وكان يستخدم هذه الكلمة أمام الحشود في هذا الصحن وأمام عناصر المخابرات الذين يستمعون إليه. وذهب اليه رئيس المخابرات في محافظة النجف ليطلب منه التوقف عن خطبه، ولكن عندما واجهه عميل صدام لم يتجاسر على قتله. وعبر التاريخ الاشخاص الذين يلتزمون المبادئ العليا يخلقون الوحدة بين شعبهم». ونسي راشد ان يقول ان محمد صادق الصدر دفع ثمن شجاعته.

وبلاشك ان غالبية الشيعة يدعمون الرجال الآخرين: قائد المجلس الأعلى للثورة الاسلامية في العراق عبدالعزيز الحكيم، الحزب الشيعي الاكبر، وعلي السيستاني، الأكثر شعبية بين المراجع، وهو رجل معتدل تهمُّه تحقيق الوحدة بين جميع المؤمنين في العراق

العدد 342 - الأربعاء 13 أغسطس 2003م الموافق 14 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً