العدد 342 - الأربعاء 13 أغسطس 2003م الموافق 14 جمادى الآخرة 1424هـ

لاروش يقود الانقلاب المضاد ضد المحافظين الجدد

بعد أسابيع فقط من بدء حملة لاروش لانتخابات الرئاسة لعام 2004 قام بتوزيع 400000 نسخة من ملف «اطفال الشيطان» الذي يكشف دور «فيلسوف» جامعة شيكاغو الفاشي ليو شتراوس كعرّاب حزب الحرب المحافظ الجديد في إدارة بوش وحولها، قامت مطبوعتا مؤسستين رئيسيتين بمتابعة الكشف هذا. في 4 مايو/ ايار نشرت «نيويورك تايمز» مقالا رئيسيا مطولا بعنوان «ليو كونز... تراث كلاسيكي: بناة الامبراطورية الجدد». ورافقت المقال صورة كاريكاتيرية بألوان بارزة لنائب وزير الدفاع بول وولفوفيتزتابعا شتراوس الرئيسي وهو يظهر بزي مصارع روماني يحمل نسخة كتاب شتراوس «عن الاستبداد» ويحمل درعا بها تصوير مشوه للنسر الاميركي. ابرز المقال دور شتراوس كحجر الاساس الثقافي لشبكة شاملة من صقور المحافظين الجدد الجبناء داخل إدارة بوش وحلفائهم في مجالس الخبراء خارجها والذين هندسوا حرب العراق. كما عرض المقال في نصف صفحة كاملة لوحة تضم صور المذنبين البارزين وجميعهم كانوا ذكروا في الدراسة التي قامت بها مجلة «إكزكتف انتلجنس ريفيو» وفي الملف الذي وزعته حملة لاروش.

مؤلف المقال هو جيمس أتلاس مؤلف سيرة ذاتية حديثة للروائي من جامعة شيكاغو سول بيلو. بيلو هذا كتب سيرة ذاتية خيالية لتابع شترواس من الجيل الثاني ألان بلوم بعنوان «رافلشتاين». وتضم هذه السيرة الخيالية شخصا يمثل بول ويلفويتز. كتب أتلاس انه «بالنسبة إلى المثقفين المؤمنين بنظرية المؤامرة تعتبر سياسة إدارة بوش الخارجية مخلوقا شتراوسيا بشكل كلي. نائب وزير الدفاع بول وولفويتز، تم نعته على انه من اتباع شتراوس. اما محرر ومؤسس مجلة «ويكلي ستنادارد» وليام كريستول الذي تعتبر قراءة مقالاته من الواجبات المنزلية في البيت الابيض، فإنه يعتبر نفسه شتراوسيا. والمدير التنفيذي لـ «مشروع القرن الاميركي الجديد» غاري شيمت الذي يضم مجموعة سياسية خارجية مؤثرة بدأها كريستول، هو من الراسخين في معسكر شتراوس».

من بين أزلام شتراوس الذين سماهم اتلاس هناك مارتن هايدغر ووالتر بنجامين واليكاسندر كوجيف. لم يتوسع اتلاس في ذكر من هم هؤلاء الوجودون النيتويون من منتصف القرن العشرين كما انه تجنّب الخوض في قضية معتقدات شتراوس الفاشية النيتشوية السيئة السمعة.

على رغم ذلك اعتبر المقال عموما ضربة موجهة من المؤسسة السياسية ضد الجهاز المحافظين الجدد الذي نفذ ما يشبه الانقلاب ضد إدارة بوش ويدفعها نحو سياسة «حروب دائمة» إمبراطورية في الشرق الاوسط وشمال آسيا. أما ما هو وراء القضية الآنية المتعلقة بليو شتراوس، فإن فكرة قيام عناصر من المؤسسة الحاكمة باللجوء إلى ليندن لاروش بشكل علني طلبا لقيادة فكرية لشن انقلاب مضاد، هذه الفكرة تحدث هزات اكبر في كل انحاء واشنطن وعواصم عالمية اخرى.

سيمور هيرش يطلق رصاصة ثانية

في اليوم الذي تلا نشر المقال عن «المحافظين الجدد» الشتراوسيين في «النيويورك تايمز»، انتج المحقق الصحافي المحترم سيمور هيرش مقالا فاضحا ضرب في الصميم شتراوس وعصابته داخل وزارة الدفاع الاميركية على صفحات مجلة «النيويوركر» الصادرة في 12 مايو (نشر المقال على الانترنيت في 5 مايو).

هيرش هو الآخر التقط مادة نشرت اولا من قبل اللجنة المنظمة لحملة لاروش لانتخابات الرئاسة لعام 2004. وبناء على ما استعاره من ملف «اطفال الشيطان»، اشار هيرش إلى الجذور الشتراوسية لعدد من اشباح وزارة الدفاع الاميركية الذين كانوا وراء حملة التشويش التضليلي واسعة النطاق التي ادت إلى قرار الرئيس جورج بوش لشن الحرب على العراق. من بين اهم اتباع شتراوس الذين يروجون المعلومات «المحورة» من خلال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، هو ابرام شولسكي رئيس ما يعتبرها. لاروش «وكالة استخبارات الصقور الجبناء» داخل وزارة الدفاع هيرش سمى هذه الوحدة في مقالة له «سجلات الأمن القومي: الاستخبارات الانتقائية».

كتب هيرش الآتي: مدير عملية «الخطط الخاصة» هو ابرام شولسكي، وهو خبير معروف في اعمال الفيلسوف السياسي ليوشتراوس. مكتب الخطط الخاصة يخضع لاشراف وكيل وزارة الدفاع وليام لوتي وهو نقيب بحري متقاعد». برز اسم كل من شولسكي ولوتي في ملف «اطفال الشيطان» باعتبارهما من «الكذابين الدنيئين» الشتراوسيين وراء حرب العراق.

بعد الاسهاب في شرح سلسلة الحالات التي نقلت فيها وحدة شولسكي - لوتي معلومات استخباراتية مزيفة تم غسيلها وتمريرها من «وكالات استخبارات خارجية»، ومعظم الاحيان من خلال المؤتمر الوطني العراقي ورئيسه احمد الجلبي المصرفي الأعوج الذي هو ايضا خريج حامعة شيكاغو - سوية مع شولسكي وولفوفيتز- يعود هيرش الى قضية ليو شتراوس. كتب هيرش انه «مثل وولفوفيتزكان شولسكي من طلبة ليو شتراوس، في جامعة شيكاغو. تسلم كلا الرجلين شهادات الدكتوراه تحت شتراوس في 1972.

شتراوس، وهو لاجئ من ألمانيا النازية الذي وصل إلى الولايات المتحدة في 1937، تدرب في تاريخ الفلسفة السياسية واصبح واحدا من ابرز العلماء المحافظين المهاجرين الاوائل. يعرف شتراوس على نحو واسع لفكرته القائلة بان اعمال الفلاسفة القدماء تخفي بشكل متعمد معان باطنية لا يعرف حقيقتها إلا قلة قليلة جدا، بينما تسيء الجماهير فهمها».

عرض هيرش قائمته من الشتراوسيين العاملين في الدوائر التنفيذية للدولة بالاضافة إلى مجالس الخبراء والمؤسسات، مضيفا إلى هذه القائمة ستيفن كامبوني، وكيل وزارة الدفاع لشئون الاستخبارات.

الرئيس السابق لمركز مكافحة الارهاب في وكالة المخابرات المركزية فينسنت كانيسترارو الذي عمل في فترة ما مع شولسكي في احد بيوت الخبرة، اخبر هيرش بأن سياسات شولسكي كانت «نموذجية بالنسبة إلى مجموعته - الشتراوسيين. إن اعضاء المجموعة يعززون بعضهم بعضا لانهم الاصدقاء الوحيدون عندهم، وهم جميعا يعملون سوية. هذه القضية مستمرة منذ الثمانينات، لكنهم ما سبق ان كانوا قادرين على الالتئام كما هو حاصل الآن». استنتج كانيسترارو ان «11 سبتمبر/ ايلول اعطتهم الفرصة، والآن هم في الجنة». إشارة إلى الدليل المزعوم بوجود اسلحة الدمار الشامل وصلة صدام حسين بـ «القاعدة»، أضاف كانيسترارو «يعتقدون ان المعلومات الاستخباراتية موجودة. هم يريدون الاعتقاد بوجودها. لذلك يجب ان توجد».

حالما فتحت بوابات المياه ضد الشتراوسيين بالمادة المنشورة في «النيويورك تايمز» ومجلة «نيويوركر» المنتحلة من تحقيقات لاروش، قام محققون صحافيون آخرون بالانضمام إلى الحملة بسرعة. في 6 و7 مايو كانت هناك تحقيقات إضافية في جهازين إعلاميين أميركيين آخرين بقلم جو كوناسون في صحيفة «نيويورك أوبزرفر» وجيم لوب في وكالة أنباء انتربريس الصحافية (لوب يعمل ايضا كاتبا في «آسيا تايمز». اما في اوروبا فإن كلا من صحيفة «كورير ديلا سيرا» الايطالية و«تايمز» البريطانية نقلتا مقالات هيرش واتلاس. في وقت سابق، نشرت اللوموند اليومية الفرنسية تحقيقا مطولا استعرضت فيه عصابة الشتراوسيين داخل فريق بوش.

تحقيق لوب كان ذا اهمية وخصوصا لانه اجرى فيه مقابلة مع شادية دروري الاستاذة في جامعة «كالغاري» مؤلفة كتابين عن شتراوس وملف تحقيقي عن اليكساندر كوجيف. كوجيف كان شريك شتراوس الدائم في الجريمة الثقافية وهو مهاجر روسي مقره في باريس كان جزءا من الدوائر «السيناركية» الفاشية بشكل علني في فرنسا ايام الحرب العالمية الثانية وبعدها.

وجهت بدوري انتقادا واحدا فقط لمقال هيرش، إذ اعترضت بشكل صحيح على فكرة ان شتراوس كان ديمقراطيا ليبراليا. «شتراوس لم يكن يوما ليبراليا ولا ديمقراطيا. (حسب شتراوس) الخداع الدائم للمواطنين من قبل اصحاب السلطة امر ضروري جدا لانهم بحاجة لان يقادوا وهم بحاجة لقادة اقوياء يخبرونهم بما هو خير لهم». وقد ميزت شادية دروري بين افلاطون وشتراوس، من حيث ان افلاطون يقول ان الحكام يجب ان يكونوا اناسا بأعلى المعايير الاخلاقية الممكنة، بينما شتراوس اصر على ان «اولئك الذين يصلحون للحكم هم فقط اولئك الذين لا يؤمنون بوجود اي اخلاقيات وان هناك حقا طبيعيا واحدا وهو حق المتفوقين في ان يحكموا من هم اوطأ منهم... فما تحتاجه هو حشد تستطيع ان تتلاعب به كالعجين».

كما احبرت دروري لوب بأن نظام الحكم عند شتراوس اعتمد على ان يكون للسكان ايمان بصورة عدو. «شتراوس يصر على انه اذا لم يوجد اي تهديد خارجي، فإنه يجب صنعه، من وجهة شتراوس، عليك ان تحارب طوال الوقت «البقاء». من هذه الناحية الأمر اسبارطي جدا. السلام يؤدي الى الانحطاط. ما يؤمن به الشتراوسيون هو الحرب الدائمة وليس السلام الدائم». هذا هو مذهب الشتراوسيين في واشنطن - مثل وولفوفيتزوكريستول وشولسكي وشميت - وهو المذهب الذي يقودهم لاتباع «سياسة خارجية عدائية عدوانية». وانتقدت دوري إدارة بوش، متهمة إياها بـ «الليبرالية والديمقراطية، ولكنها مع ذلك تغزو العالم باسم الليبرالية والديمقراطية».

في بعة 7 مايو/ ايار من صحيفة «نيويورك اوبزرفر» وجه «جو كوناسون» طعنة متهكمة نحو عصابة الشتراوسيين المحيطة بوزير الدفاع رامسفيلد. كتب كوناسون ساخرا: «عبقرية دونالد رامسفيلد ونوابه في وزارة الدفاع هي الشغل الشاغل لاجهزة الاعلام السائدة المفضلة. طبقا لوجهة النظر التقليدية، استراتيجيتهم العسكرية في العراق كانت لا عيب فيها عمليا، غرائزهم السياسية بارعة، ومعلوماتهم الاساسية الفلسفية عميقة. (بعضهم حتى قرأ ليو شتراوس). هم فقط رائعون بشكل لاينكر».

معركة حتى النهاية المرة

ان الانفجار المفاجئ للحماس تجاه حرب ليندن لاروش الابستمولوجية(المعرفية) ضد مجموعة «المحافظين الجدد» من قبل بعض العناصر القوية في المؤسسات السياسية الاميركية، اشارة على تعاظم انتباه الناس للخطر الاستثنائي الذي يشكله «حزب الحرب الدائمة» الشتراوسي لوجود الولايات المتحدة نفسها كجمهورية دستورية. قبل اندلاع حرب العراق في مارس/ آذار. كانت هناك درجة كبيرة ن السذاجة تجاه مدى قوة المحافظين الجدد ومدى احكام فبضتهم على صناع قرارا

العدد 342 - الأربعاء 13 أغسطس 2003م الموافق 14 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً