العدد 484 - الجمعة 02 يناير 2004م الموافق 09 ذي القعدة 1424هـ

استحالة القضاء التام على الفساد ولكن يمكن كبحه

في مجلس شويطر:

المحرق - عبدالجليل عبدالله 

02 يناير 2004

قال مهتمون إنه لا يمكن القضاء على الفساد الإداري والمالي بشكل كامل، إلا انه من الممكن الحد منه بالتشريع والتقنين وحسن التنظيم، وخلق الآليات التي تحصن المال العام ضد المتلاعبين به.

وقال عبدالحكيم الصبحي - الذي كان حاضر في مجلس شويطر أخيرا - إن وقوع البحرين في موقع متقدم من الدول التي تعاني الفساد (وهو الموقع 27 من بين 133 دولة بحسب تصنيف جمعية الشفافية العالمية) لا يبرر تكتم أجهزة الإعلام على هذه المعلومة، وعدم إبرازها كما تبرز الإنجازات في المقابل، وذلك حتى يستشعر الجميع مسئولياتهم لرفع البحرين من هذه القائمة.


في محاضرة بمجلس شويطر... الصبحي:

القضاء التام على الفساد مطلب لا يمكن تحقيقه

المحرق - عبدالجليل عبدالله

دعا عبدالحكيم الصبحي في محاضرته التي ألقاها في مجلس شويطر عن «الفساد المالي والإداري بين المصطلح والمفهوم» إلى اعتماد رؤية أوسع لمصطلح الفساد مما يعنيه لافتا النظر إلى هدر المال العام والثروات في جميع اشكاله والذي يعتبر الفساد أحد صوره.

واعتبر الصبحي أن القضاء «التام» على الفساد، مطلب لا يمكن تحقيقه، بينما يمكن الحد منه بالتشريع والتقنين وحسن التنظيم وبناء الدفاعات والتحصين ضده وضد المتلاعبين بالمال العام والثروات في المملكة من خلال وضع منهجية تواكب أهداف المشروع الإصلاحي لجلالة الملك.

وقال إن محاربة الفساد والحد منه يكون بالاستناد إلى المواد الواردة في الميثاق والدستور على رغم عدم إشارة النصوص فيهما صراحة الى مصطلح الفساد الإداري والمالي في حين وجدت مواد دستورية تنص على إنشاء ديوان للرقابة المالية وآخر للرقابة الإدارية إذ شدد الدستور في الفصل الثالث على حرمة الأموال العامة وكلف كل مواطن بحمايتها مثلما كلف السلطات باتخاذ جميع الوسائل التي تكفل صيانتها، مضيفا أن المشروع الإصلاحي تنبه إلى «ضرورة تغيير التفكير في أسلوب إدارة الشأن العام» مع اعتماد «الشفافية وتكافؤ الفرص والنزاهة والقضاء على التداخل في المسئوليات والاختصاصات» وتحديث التشريعات بمراجعة القديمة منها وإصدار أخرى جديدة.

الصبحي ذكر أن المحافظة على المال العام والثروات من الهدر هي الأهم لأن محاربة الفساد بأشكاله المتعددة تقع ضمنه قصور فساد «كثيرة» ويمكن للمواطن أن «يشعر» بها أو يلمسها بصورة مباشرة غير خفية لكن لهدر الأموال والثروات أشكال عدة لا تحظى بالاهتمام نفسه لدى المواطن «لأنها غير مباشرة» وغير محسوسة ما يجعلها أكثر خطورة بسبب سوء التنظيم وتداخل المهمات والاختصاصات وتداخل السلطات وسوء توجيه المال العام واستغلاله بصورة مثلى وهنا نقف أمام حلقة مفقودة في الأداء الحكومي وهي مسألة الكلفة والمنفعة وسوء توزيع الثروة والخدمات والتلاعب بالأرقام مع غياب الشفافية إضافة إلى جميع القوانين الإلزامية والاحتكارية التي تخدم المتنفذين من دون أن تقابلها قوانين حمائية للمواطنين، وقال «الوضع يحتم إيجاد أدوات قانونية وأساليب علمية من خلال التشريع لتطبيق المعايير العلمية في المحاسبة والتدقيق والمراجعة».

وتناول الصبحي مسألة فصل السلطات ودورها في المحافظة على المال العام قائلا إن المشروع الإصلاحي يحتاج إلى دعم «بطريقة منهجية إصلاحية في التطبيق» تبدأ من الهرم حتى القاعدة التي تمثل الشعب كافة بجعلهم يشعرون بأن المال العام ثروة للوطن والمواطن لا تقل أهمية عن ماله وثروته ويسيطر على تفكيره وسلوكه للمحافظة عليه ومنع أي مؤثر لإهداره. أما على مستوى السلطات «فلابد من الفصل التام بينها» لتقوم كل سلطة بدورها على الوجه الأكمل وخصوصا أننا في حاجة إلى «إعادة التنظيم والتشريع وتفعيل الجهاز الرقابي» على أن يفصل بين كل ذلك قضاء نزيه ومستقل.

ماذا عن الواقع؟

وأضاف الصبحي في محاضرته القراءة للواقع تبين عمليا استمرار التداخل بين السلطات الثلاث بصورة أو بأخرى، ما يعني «إعاقة أحدها للأخرى» في أداء دورها بصورة دستورية كما يجب، السلطة القضائية مثلا يشوبها تدخل السلطة التنفيذية لوجود سلطة وزير العدل على النيابة العامة التي تعتبر جزءا من السلطة القضائية، إذ إن دور وزارة العدل يفترض أن ينحصر في تقديم الدعم الفني فقط من شئون إدارة من دون التدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الجانب التخصصي للقضاء.

وأضاف «أما السلطة التشريعية وهي أهم السلطات التي يعول عليها للمحافظة على المال العام عن طريق التشريع المنظم للأداء واستغلال المال العام أو الردع لكل من تسول له نفسه التجاوز أو عن طريق الرقابة، فإن ما أثير بشأنها من تداخل مع السلطة التنفيذية يكمن في تعيين أربعين عضوا (مقترح تعيينهم من السلطة التنفيذية) وعدم إمكان تمرير أي تشريع من دون الحصول على الغالبية المطلقة ويكون الأمر مرهونا بموافقة الحكومة أولا ومن يمثلونها داخل المجلس الوطني وهي المنفذ والمجلس يفترض أنه المشرع والحال أن من يضع مشروع قانون لن يضع ما يحد من حريته لذلك كان من الطبيعي أن تكون السلطة في التشريع منوطه بالمجلس.

وتطرق الصبحي في الندوة إلى مجلس النواب وتفرده بحق استجواب الوزراء والمسئولين وطرح الثقة بهم إذا لزم الأمر، وأردف «ليس المطلوب اسقاط وزير أو تسريح مسئول بل إصدار ما يمكن أن يمنع ذلك الوزير أو المسئول من الممارسة الخاطئة» لأنه إذا تكرر اسقاط الوزراء فسيؤدي ذلك إلى «التصادم» بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وينتج عن ذلك إما استقالة الحكومة وإعادة تشكيلها أو حل المجلس وإعادة تشكيله بالانتخاب وتبقى البيئة المواتية للفساد كما هي، فلا تشريع يحمي ولا معالجة علمية لمنع أو الحد من الفساد والمحافظة على المال العام، مشيرا إلى إمكان أن يقدم مسئول أو وزير غير مرضي عنه «ككبش فداء» فيسقط من دون جدوى، أما تشريع اللجان من داخل المجلس النيابي فيراه المحاضر أنه غير مجدٍ إذا كان في بيئة عمل غير منظمة ويرى أيضا أن الأعضاء ليسوا خبراء في «كل شيء».

ديوان الرقابة المالية

عدم إخضاع ديوان الرقابة المالية تحت سلطة المجلس مباشرة - يقول الصبحي - يفقد المجلس «هيبته الرقابية» فقانون الديوان في فصله السادس المادة 19 أناط بالرئيس تقديم التقرير السنوي للحسابات الختامية للدولة وأجهزتها المختلفة. أولا لجلالة الملك ثم لمجلس الوزراء ثم مجلس النواب والقانون حدد التسلسل ولم يحدد التوقيت بين كل تقديم ويمكن في هذه الحال تلافي أي خلاف او تصادم ينشأ عن طريق طلب إعادة صوغ التقرير بما يحقق الوئام وعدم التصادم وليس بالضرورة من أجل اخفاء حقائق وتجاهلها بل لعلاجها بصورة بعيدة عن الضجة التي قد تحدثها عملية افشاء التقرير على عواهنه، وهذا التداخل بين السلطات كما يقول الصبحي لا يشجع بطبيعة الحال عن المحافظة على المال العام والثروات أو استغلالها بصورة مثلى فالحديث عن إعادة التنظيم بما يكفل عدم تداخل المسئوليات ووضوح المهمات والاختصاص لكل جهاز في الدولة يجب أن يتحقق في الفصل التام بين مختلف السلطات واستقلال كل سلطة بدورها واداء مهماتها.

وتناول المحاضر دور الرقابة باعتبارها أحد العناصر في العملية الادارية وحضورها في جميع مراحل الأداء العملي بهدف تصويب الانحرافات مفضلا تلك التي تتنبأ بالانحرافات قبل وقوعها، إذ لا تهدف لتصيد الأخطاء فقط بل تراعي الجوانب الانسانية في العملية الادارية وتفصح عن المخالفات لأجل الاصلاح قائلا إنها إذا كانت في بيئة صالحة فلن تحتاج إلى الكثير من العناء في كشف اولئك المتلاعبين او البحث لهم عن مبررات أو ذرائع.

وصنف الصبحي الرقابة وانواعها: رقابة مسبقة، رقابة لاحقة، رقابة شكلية، رقابة موضوعية.

لماذا لا يفضح المفسدون؟

يجيب أثناء المحاضرة أن فضح المفسدين - وقد حدث - لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء الفساد أو وقف هدر المال العام والتلاعب بالثروة، فلم يحدث أن شحذت السكاكين أو نصبت المشانق لأي متجاوز، فغاية ما في الأمر تسوية تقاعدية يتقاضى بموجبها المفسد علنا راتبا تقاعديا أعلى من راتبه وهو في الخدمة عن طريق تلك التسوية، ويستريح عاما أو عامين ثم يمارس بحرية كاملة وعلنية نشاطه الاستثماري المستتر وهو في الوظيفة من تلك الأموال المسروقة وهو ما يشجعه على أن يقبل أن يكون كبش فداء. وانتقد المحاضر اسلوب معالجة قضايا الفساد قائلا إن التركيبة الحالية لأعضاء المجلس النيابي وحدود صلاحياته وسلطاته تعتبر عائقا وليس مانعا، ويجدر بالنواب استغلال هامش الصلاحية لطرق القضايا المهمة بدلا من قضايا جانبية تخدم فئات محدودة ويمكنهم بطبيعة الحال أن يلجأوا إلى اثارة مسألة إعادة التنظيم وذلك بدوره سينشئ الحاجة إلى التشريع أو تعديل ما هو قائم من تشريعات وقوانين، ما يضمن ممارسة حقيقية وفاعلة للعملية الرقابية بل يمكن أن تعزز من خلال التنظيم والتقنين

العدد 484 - الجمعة 02 يناير 2004م الموافق 09 ذي القعدة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً