اعتبر السياسي المغربي البارز والعضو في الديوان السياسي لحزب التقدم والاشتراكية المشارك في الائتلاف السياسي الحاكم في المغرب خالد الناصري، أن أهم الحوادث التي عرفتها السنة الحالية، على المستوى الدولي، تتمثل في وضع الولايات المتحدة الأميركية نفسها في مستنقع قل نظيره ومن عدم تمكنها من التحرر من الورطة العراقية بسهولة، واحتدام السياسة المتطرفة للحكومة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، واستمرار موضوع الإرهاب متكهنا استمرار الحضور القوي للقضية العراقية خلال السنة الجارية 2004.
وعلى المستوى الداخلي في المغرب، رأى الناصري في مقابلة مع «الوسط» أن السنة التي ودعناها تميزت باستمرار نهج الإصلاحات واتخاذ الدولة ترتيبات لازمة لحماية المجتمع من الإرهابيين بعد الحوادث التي عرفتها الدار البيضاء في 16 مايو/ أيار الماضي، إضافة إلى إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة التي ستسهر العام 2004 على جبر الخواطر للمتضررين من سنوات الجمر والرصاص التي عاشها المغرب خلال عقدي ستينات وسبعينات القرن الماضي، بالإضافة إلى إصلاح قانون الأسرة. وفيما يأتي نص المقابلة :
ما هي أبرز القضايا التي ستورثها السنة الماضية للعام الجديد 2004؟
- على الصعيد الدولي هناك أولا احتدام الصراع في العراق، بحيث إن الولايات المتحدة الأميركية التي وضعت نفسها في مستنقع قل نظيره، لن تتمكن من التحرر من الورطة العراقية بسهولة، وللأسف، أتوقع استمرار الأزمة العراقية طيلة هذا العام الجديد لتظل مستحوذة على سطح الحوادث، ولتستمر في إثارة أسئلة الملاحظين والمتتبعين باعتبار أن الهجوم والحرب الأميركية على العراق، أخذت أبعادا لم يسبق لها مثيل في هذا الحجم، ولا شك أنها ستظل حاضرة في أذهان المحللين وفي صفحات التاريخ.
وفيما يخص النزاع العربي الإسرائيلي فإننا نلاحظ استمرار الجبروت الإسرائيلي واحتدام السياسة المتطرفة للحكومة الصهيونية، بحيث إن الخناق سيتواصل وبشدة على الشعب الفلسطيني في ظل التغيرات الاستراتيجية التي عرفتها المنطقة العام الماضي. إلا أن هذا لن يمنع من أن تشهد الساحة الداخلية في «إسرائيل» جدلا سياسيا واسعا عن السلام مع الشعب الفلسطيني وخصوصا المرتبط بمبادرة جنيف.
ماذا عن الإرهاب الذي يجثم على أنفاس العالم ويجعل عددا من دول العالم تضع يدها على قلبها؟
- بلا شك سيبقى موضوع محاربة الإرهاب مستحوذا على سطح الحوادث لكن بطبيعة الحال، يبقى، أن الطريقة الأميركية في محاربته والوقوف في وجهه طريقة بدائية غير قادرة على التصدي لهذه الظاهرة، بحيث إن مقاومة الإرهاب تستلزم أسلوبا أكثر حكمة وأكثر موضوعية يبدأ بمعالجة مواطن الخلل الكامنة في السياسات التي تولد الحقد واليأس مثل مساندة الإدارات الأميركية المتعاقبة للسياسة الإسرائيلية الإجرامية في حق الشعب الفلسطيني.
ماذا عن المغرب الذي مسه أيضا العام الماضي جنون الإرهاب؟
- شخصيا، أرى أن السنة التي ودعناها كانت وباستحقاق سنة استمرار نهج الإصلاحات وبعزيمة قوية، حتى وإن كان عدد من المحللين والمعلقين يرون أن هناك تراجعات، أنا شخصيا لا أراها، فكل ما هناك، أن الدولة وهي تجسد إرادة الأمة اتخذت الترتيبات اللازمة لحماية المجتمع من ضربات الإرهابيين الذين يتربصون بالمغرب، وهذا ما يندرج في نطاق الدفاع عن النفس، وأستغرب لكون عدد من المحللين يعتبرون أن حملات المطاردة التي طاردت أوكار المتطرفين، تنطبق عليها مواصفات الردة، على العموم، يبقى أن هناك ثلاث حوادث تستوقفني: أولا، هناك حدث سلبي، وهو بالضبط الضربات الإرهابية ليوم 16 مايو/ أيار التي ضربت البلاد في الصميم، وكانت مؤشرا على خلل عميق في المجتمع، بحيث استفاق هذا الأخير من «سباته» إثر الصدمة التي تلقاها. ثانيا، هناك حدثان إيجابيان هما: إقامة هيئة الإنصاف والمصالحة التي تتوخى من ورائها البلاد، طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بأسلوب حضاري يقوم على التوافق ولكن من دون التنازع على المبادئ. والحدث الأخير، هو القرار الملكي بفتح ورش قانون «مدونة الأسرة» التي أحيلت قبل أيام على أنظار البرلمان، وهذه المدونة الجديدة التي ستحل محل مدونة الأحوال الشخصية العتيقة، ننتظر منها أن تخلف نمطا من العلاقات الأسرية أكثر توازنا وأكثر عقلانية وأكثر حداثة، في نطاق الثوابت الدينية، بطبيعة الحال، وأنظر لهذا الموضوع، كمؤشر على مشروع مجتمعي بكل معنى الكلمة، يجب أن تتضافر من أجل إنجاحه كل القوى الحية في المجتمع المغربي.
ما الذي تتوقعونه بخصوص ما قد يأتي به العام 2004؟
- على الصعيد الداخلي في المغرب فإن كل ما انتظره هو استمرار العمل من أجل بلورة مشروعات الإصلاح التي لا يجب أن تعرف أية هدنة أو تراجع، ثم لاشك أن الإشكاليات الاجتماعية المعقدة ستنزل على المغرب بثقل متزايد سيكون على السلطات الحكومية أن تخصص لها مزيدا من التدابير العملية الجريئة لتأمين مسار الانتقال الديمقراطي في إطار من الحد الأدنى من الإصلاحات الاجتماعية المستعجلة.
فيما يخص الحياة الحزبية فإني أتوقع تفعيل عمل أحزاب الكتلة الديمقراطية اليسارية بعد الخمول الذي عرفته خلال الفترة الماضية، وهنا لا بد من القول ان «الكتلة الديمقراطية» تعتبر أداة مهمة من أدوات الإصلاح السياسي في البلاد، إذ إن هناك بوادر منذ إيجابية نلاحظها منذ عدة أسابيع تؤشر إلى أن هناك إمكان جدي لإنعاشها وهذا أمر مهم للغاية لأن الكتلة الديمقراطية إطار لا يمكن للمغرب في هذه الظرفية الانتقالية أن يستغني عنه.
هل تتوقعون أي تعديل يمس حكومة إدريس جطو أو الاستغناء عنها في ظل تهديد بعض الأطراف ومن بينها حزب الاتحاد الاشتراكي بالانسحاب منها؟
- على مستوى فرضية التعديل الحكومي، فحقيقة هناك حديث عن ذلك في أوساط الرأي العام. لكن بالنسبة إلي، لا أتوافر لا على مؤشرات ولا معلومات تفيد بأنه مسجل في جدول الأعمال بالنسبة إلى القريب العاجل.
المهم على كل حال، هو أن تستمر الغالبية الحالية، في تحمل مسئولياتها بمزيد من القوة والعزيمة لبلورة المشروعات الإصلاحية التي فتحت في بلادنا والتي تظل في حاجة إلى نفس طويل وإلى بعد استراتيجي يؤمن نجاحها، وذلك لن يتأتى في غياب نواة الإصلاح الذي يحرك هذه الغالبية.
فيما يخص الظرفية الحالية، فإني أعتقد أنها تسمح بطرح موضوع المراجعة الدستورية، لأننا في مناخ سياسي وتاريخي جديدين، وهناك حاجة تحيين عمل المؤسسات من خلال هذه المراجعة، وأرى أن المصلحة تقتضي أن نخوض في هذا النقاش بأسلوب مغاير لما كان عليه الأمر في السابق، أي بعيد عن كل المزايدات وكل تشنج، لأننا دخلنا إلى عهد «التطبيع» المؤسسي والسياسي، وذلك يسمح بأن نناقش القضايا ببرودة أعصاب وهدوء.
شهدت السنة التي ودعناها سلسلة من المحاكمات التي طالت أيضا رجال القضاء، ما الذي تتوقعونه في هذا الميدان؟
- بالنسبة إلى موضوع المحاكمات التي تعرفها بلادنا ويتابع فيها بعض رجال القضاء، أعتقد أن الموضوع في حد ذاته، كما بدا للعيان في الأسابيع الماضية، هو عبارة عن زوبعة في فنجان، يتطلب حدا أدنى من الهدوء والموضوعية حتى تعرف سنة 2004 استمرار إصلاح القضاء في أبعاده الشمولية، بعيدا عن المزايدات السياسية التي لا يستحملها الميدان القضائي، كما يجب تحصين القضاء مهنيا وأخلاقيا وتمتيع القضاة بأقصى شروط الوقار والاستقلالية ما يستلزم تكاثف الجهود بين القضاة والمجتمع لإضفاء مزيد من الصدقية على القضاء
العدد 520 - السبت 07 فبراير 2004م الموافق 15 ذي الحجة 1424هـ