العدد 520 - السبت 07 فبراير 2004م الموافق 15 ذي الحجة 1424هـ

ليس الجواسيس وحدهم من يستحق العتاب

إن القول بشأن التنسيق الكبير في التصريحات الصادرة من واشنطن ولندن عن التحقيقات في المعلومات الاستخباراتية بشأن أسلحة العراق المزعومة، تبدو بالغا فيها. بالتأكيد تحدث بلير وبوش منذ أن صرح رئيس فريق التفتيش الأميركي عن الأسلحة ديفيد كاي إن العراق لا يمتلك مخزونا احتياطيا من الأسلحة البيولوجية أو الكيماوية وانما برنامج نووي أولي فقط.

وعلاوة على ذلك جعل بلير الأمر أكثر وضوحا لواشنطن بقوه إنه يحتاج إلى الخروج من تحقيق هاتن قبل أن يفكر في أي شيء آخر. وما يبدو أن الحكومة البريطانية ليست مستعدة له هي السرعة التي أعلن فيها البيت الأبيض انه جاهز لإجراء تحقيق، لذلك كان هناك تحرك سريع في لندن لمتابعة الدعوى للتحقيق البريطاني.

من ناحية الدروس طويلة المدى، مقابل الثمن السياسي قصير الأمد للحكومة، فإن الدعوى والكيفية التي يفسرها بها التحقيق تعتبر مهمة، فالحكومة البريطانية قادرة على القول إن اللورد هاتن برأها من تزييف ملف الحرب، وان هذه القضية ليست بحاجة إلى الإعادة مرة ثانية. وعن مسألة ما إذا كانت الحكومة قد هوّلت ملف الأسلحة من أجل تقديم دليل قوي للحرب فإن تقييم المعلومات الاستخباراتية يمكن أن يحمل دائما دفاعا للحكومة، فلجنة الاستخبارات المشتركة، تضم رؤساء وكالات الاستخبارات أنفسهم، وهي التي وقعت الوثيقة (ملف الأسلحة). هذا هو السبب الذي يجعل الجاذبية السياسية تبتعد عن التركيز على ما إذا كانت وكالات الاستخبارات أدت عملها على نحو صحيح.

ليس ذلك طبعا سببا يعفي العملية السياسية من مداولات القضية. وهناك حتما مبرر قوي للعودة إلى المربع الأول والتساؤل عن مدى صدقية الاستخبارات الأولية التي أشارت إلى امتلاك صدام لأسلحة دمار شامل. فهل من المحتمل أن تلك المعلومات كانت خاطئة قبل أن تدرس لإدراجها في أي ملف؟ بمعنى آخر هل فحصت قبل أن تقع في أيدي السياسيين؟

من ناحية أخرى، بعض محتويات الملف ربما وضعتها شخصيات في النظام من أجل تخويف القوات الغازية. وربما احتفظ صدام بفكرة أمتلاكه لأسلحة دمار شامل لكي يُرعب أعداءه الكثيرين، وبشكل خاص الإيرانيين. وهكذا دواليك. ومن الممكن أن يدرس التحقيق كل هذه الاحتمالات، من احتمال وجود برنامج أسلحة إلى فكرة عدم وجود شيء في العراق. لكن من الصعب أن ينجز التحقيق مهمته إذا لم يأخذ في الاعتبار أسئلة أخرى لم يستطع هاتن دفنها بشكل حاسم. من ذلك مثلا كيف عممت المعلومات جلبت على المجال العام، وكيف أثر هذا على الطريقة التي قدمت بها وما إذا كان وجود الملف يخدم المصالح العليا لأجهزة الاستخبارات فضلا عن الدولة بشكل عام.

الأسبوع الماضي تحدث كاي لشبكة «فوكس نيوز» عن أخطاء ارتكبت بينما يَعُد المحللون المعلومات لرؤسائهم السياسيين. وسواء كان ذلك صحيحا أم لا، فإنه يعتبر موضوعا ذا علاقة للتحقيق. فليس بالضرورة أن تعتقد أن الحكومة زوّرت الملف فعليا ، ولكن السؤال ما إذا كان من المعقول استخدام المادة الاستخباراتية كوسيلة لتشكيل دليل عام للحرب. ومن البديهي التساؤل ما إذا كان من المعقول للحكومة أن تعد الملف مطلقا.

من ناحية أخرى، هناك صخب شديد بشأن «الدليل» الذي يبرر الحرب. أحد المسئولين الكبار أعرب عن أمله في ذلك الوقت أنه من الأفضل للندن أن تعد مثل هذا الملف بدلا عن واشنطن ، لأنه سيخضع لفحص إعلامي أقل مما عليه الوضع في الولايات المتحدة. لكن السبب الرئيسي الذي أدى إلى ترك الأمر للندن هو أن قضية الدليل كانت فعّالة أكثر في بريطانيا منها في واشنطن. إذ كانت الحكومة البريطانية أكثر اهتماما بالأمم المتحدة والمصادقة القانونية من الإدارة الأميركية وتطلب ذلك إقامة بينة على الأمن بدلا عن الانتهاكات المنتظمة لحقوق الإنسان من قبل نظام صدام.

على رغم ذلك ربما كان هناك بديل وهو أن يقول رئيس الوزراء بصراحة أن المعلومات الاستخباراتية مع أنها ذات دلالات إلا أنها بعيدة للغاية من أن تكون حاسمة.

تتمثل الحقيقة السياسية في أن تأثير الملف على الرأي العام قُيِّم بحجم الضرر الذي سببه لاحقا بثقة الجمهور في الحكومة. لهذا قد يكون حان الوقت لتفكير واعٍ من جانب رئيس الوزراء حالا. ومايزال من المهم جدا استخدام ومعالجة المعلومات الاستخباراتية وخصوصا في الظروف المبكرة، لانها تدخل في عمق صدقية الحكومة وصدقية أجهزة الاستخبارات نفسها.

لقد استخدم رئيس لجنة الاستخبارات المشتركة السابق رودريك بريثوايت كلمة حديثة للمجلس التشريعي في تشاتايم لاقتباس تصريحين من أحد أسلافه، اذي أشار في كتابه عن لجنة الاستخبارات المشتركة أولا: «نحن يجب أن نقبل أنه كملجأ أخير تعتبر الاستخبارات محاولة لمعرفة المجهول، ويجب أن نقلل توقعاتنا وفقا لذلك». ثانيا: «ان المخاطر التي تفرضها الحكومة على أجهزة الاستخبارات هي أن المحللين أصبحوا رجال الحاشية»، بدلا عن تقديم نتائج «غير مستساغة» من دون خوف أو محاباة.

لا شيء يهم أكثر من الثقة في الحكومة التي أرسلت الجنود للحرب. وهذا هو السبب في أن التحقيق الجديد سينفذ للمصلحة الوطنية لا للمجاملات إذا طرح التساؤل ما إذا كان رجال الاستخبارات وحدهم هم الذين يستحقون العتاب

العدد 520 - السبت 07 فبراير 2004م الموافق 15 ذي الحجة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً