تجربتي مع «أصيلة» المغرب تعود الى مطلع التسعينات من القرن الماضي، أنت القادم من مدن تحاول النهوض من عثراتها، تحاول أن تفتح عينها على الشمس وأن تنعم بطعم مثيل للحياة لدى أشقاء آخرين... كانت التجربة الأولى بمثابة اكتشاف انتابه تردد، تردد من إحساس بعدم القدرة على التواصل مع الحشود التي جاءت من الجهات الأربع، كل منها يحمل تاريخا وحضورا ونتاجا، فيما أنت تلثغ بكل ذلك، في ألِفِه... بينما هم في البهاء من كل ذلك.
بين الأشقاء المغاربة، والشعراء خصوصا كان التواصل الأول باعتبار أننا أصحاب توجه واحد في اختيارنا للطريقة التي نعبر بها عن قيمتنا ووجودنا في الحياة «الشعر»... بدأ التردد تخف وطأته شيئا فشيئا مع رحابة الصدر والحفاوة التي يستقبلك بها المغاربة لدرجة تشعر معها أنك تجاوزت الحد الأقصى الذي تستحقه من كل ذلك، فيما هم لا يخفون حرجهم بل وخجلهم من أنهم يريدونك تجاوز كل ذلك ، كي لا تخفي اتهاما مبطنا لهم بأنهم يجاملونك حد الكذب!
صاحب «سيرة المطر» - مجموعة شعرية - الشاعر ووزير الثقافة الحالي محمد الأشعري كان أول غيث تلك الحفاوة، ربما هدوؤه وقتها يغريك على عدم التردد في الجلوس اليه والحديث معه والاستفسار منه عن الأمكنة التي يمكن للزائر أن يرتادها، وهو مدخل مناسب لاستدراجه الى مساحات أخرى من الحوار، وهو ما حصل تماما، لم يمضِ وقت طويل حتى تبادلنا المجموعات الشعرية، وكان نصيبي مجموعته المذكورة التي أعتقد أنها واحدة من المجموعات الشعرية التي رصدت تلك القيمة المركزية لكثير من شعوب العالم، وبجمالية مختلفة وآسرة.
«أصيلة» المغرب أو «أصيلة» البحرين وربما في المستقبل «أصيلة» عمان وغيرها من العواصم والمدن العربية، تمنحنا جميعا فرصة تجاوز ذلك الأفق الذي قدّر له أن يكون محصورا في المدينة الواحدة لبشرها وأناسها، فيما مثل هذا التبادل واستنساخ التجارب الإبداعية ضربا وعلامة مضيئة لعافية الأمة وتماسكها على مستوى الإبداع
العدد 593 - الثلثاء 20 أبريل 2004م الموافق 29 صفر 1425هـ