أثار اغتيال رئيس مجلس الحكم العراقي السابق عبدالزهرة عثمان واسمه الحركي (عزالدين سليم) الكثير من التكهنات في أوساط العراقيين، إذ يعتقد البعض بأن الجهة التي أصدرت بيانا أعلنت فيه مسئوليتها عن عملية الاغتيال وهي منظمة «حركة المقاومة العربية - كتائب الرشيد» جهة غير حقيقية، ولم تكن معروفة سابقا، لذلك فإن بيانها يهدف إلى التغطية على المنفذين الحقيقيين لهذه العملية.
وتشير استطلاعات للرأي أجريت سريعا بعد الحادث إلى أن معظم العراقيين، يدينون مثل هذه العمليات، وأن بعضهم يشكك في ضلوع جهات أجنبية في هذه الحوادث، ويقول إن الساحة العراقية أصبحت مركز صراع بين مخابرات دول إقليمية وشرق أوسطية، إضافة إلى مخابرات الدول الكبرى. وهناك من يربط بين هذه الحادثة وحوادث أخرى شبيهة مثل طريقة اغتيال السيد محمدباقر الحكيم ونسف مقر الأمم المتحدة في بغداد وغيرهما من الحوادث، ويقول إن اغتيال الحكيم جاء بعد خطابه الذي هاجم فيه الوجود الأميركي وطالب برحيل القوات الأميركية، من العراق فورا.
والأمر ينطبق على عزالدين سليم الذي صرح قبل يومين من اغتياله بأن قوات التحالف ترفض حل مشكلة مقتدى الصدر بالطرق السلمية، وهدد بالانسحاب من مجلس الحكم، وكان ترك مجلس الحكم وغادر إلى مدينة البصرة أثناء ضرب مدينة الصدر من قبل قوات التحالف وكذلك مدينة الفلوجة، ولكن أعضاء مجلس الحكم تدخلوا وأنهوا اعتكافه في البصرة من خلال تأكيدات بأنهم سيضغطون بصورة أكثر على قوات التحالف.
ويشير العراقيون إلى أن هذه المواقف لا يمكن أن تُنسى من قبل قوات التحالف، وعليه فإن بعض الآراء توجه أصابع الاتهام إلى منظمتين أكثر من غيرهما وهي الـ CIA أو الموساد.
ولكن آخرين يعتقدون بأن طريقة التفجير ربما تشير إلى أسلوب الزرقاوي، وجاءت بعد فترة من بث الشريط المصور الذي يظهر حز رقبة أحد الأسرى الأميركان، ومعنى ذلك أن من على مثال الزرقاوي بدأ يصّعد من عملياته مع اقتراب موعد تسليم السلطة إلى العراقيين.
تقول بعض التكهنات إن عملية الاغتيال كانت تستهدف عددا من أعضاء مجلس الحكم وليس عزالدين سليم لوحده. فشارع الكندي الذي يربط حي الحارثية بموقع القصور، حيث يقع مقر مجلس الحكم، هو المنفذ الوحيد الذي سمح لأعضاء مجلس الحكم بالدخول فيه، علما أن هناك عدة منافذ أغلقتها قوات التحالف وحوّلتها إلى منافذ أغلقتها قوات التحالف وحوّلتها إلى منافذ خاصة بهم فقط، مثل طريق «الجسر المعلق» الذي شهد قبل أيام تفجير إحدى السيارات التي أودت بحياة عدد من العراقيين والجنود الأميركان، وطريق كرادة مريم الذي يتصل بحي الصالحية، حيث يوجد مقر الإذاعة العراقية، وطريق جسر الأحرار، وكان موعد الانفجار الأخير في شارع الكندي موقتا مع تدفق أعضاء مجلس الحكم المتوافدين لحضور اجتماع لهم، وفي بعض الأحيان تصل إلى موقع التفجير عدة سيارات تقلّ هؤلاء الأعضاء، ولكن هذه المرة وصلت السيارة التي تقل عزالدين ومرافقيه فقط.
عزالدين سليم وُلد في البصرة لعائلة فقيرة، وتعلّم في مدارسها وبعد إكمال دراسته الجامعية توجه إلى العمل السياسي، فقام مع آخرين بتأسيس حزب الدعوة الإسلامي، وكان من أنشط قياداته. وبحكم علاقاته الواسعة مع الشرائح الفقيرة استطاع أن يجعل من البصرة مركزا مهما لحزب «الدعوة الإسلامية»، ولكنه رفع كلمة «حزب» لتمييزه عن حزب الدعوة الذي كان بقيادة إبراهيم الجعفري في لندن. وكان رئيسا لتحرير صحيفة «الشهادة» الناطقة باسم المجلس الأعلى.
ومعلوم أن هنالك أربعة أحزاب دعوة كلها كانت في حزب واحد عند التأسيس، ولكنها افترقت لاحقا لأسباب كثيرة، فحزب الدعوة الإسلامي هو الآن بقيادة عضو مجلس الحكم إبراهيم الجعفري، و«الدعوة الإسلامية» بقيادة عزالدين سليم، و«المجلس الفقهي» بقيادة كاظم الحائري الموجود حاليا في إيران، و«تنظيم العراق لحزب الدعوة» بقيادة عبدالكريم العنزي، والحزبين الأخيرين ليسا في مجلس الحكم.
عزالدين سليم الوحيد هو وحزبه من وافق على التفاوض مع الأميركان قبل سقوط نظام صدام حسين، وقد حضر ممثلا عن حزبه إلى مؤتمرات المعارضة العراقية، وخصوصا مؤتمر نيويورك ولندن، وانتخب في مجموعة «الستة» التي كانت تضم إضافة إليه كلا من مسعود البارزاني وجلال الطالباني والسيد باقر الحكيم وأحمد الجلبي وإياد علاوي.
وبحكم المنافسة بين أحزاب الدعوة انضم إلى المباحثات السرية مع الأميركان قبل سقوط النظام العراقي بأشهر قليلة ممثل حزب الدعوة إبراهيم الجعفري الذي كان قبل ذلك يهاجم القوى الأخرى التي قبلت التفاهم مع الإدارة الأميركية.
وفي آخر زيارة سرية له لواشنطن - قبل سقوط نظام صدام حسين - طلب الجعفري من الأميركان عدم إعلان هذه الزيارة، فوافقوا على طلبه، وبعد أن تمت المباحثات في وزارة الخارجية الأميركية وتوصل الطرفان إلى اتفاق مشترك، غادر الجعفري وإذا به يتفاجأ بوجود كاميرات التلفزيونات والصحافيين الأميركان في باب الوزارة والتقطوا له الصور وسألوه عن المباحثات والاتفاق، وبذلك أدرك بأنه لم يعد قادرا على إخفاء اتصالاته بالأميركان.
هذه الحادثة اعتبرها عزالدين سليم وحزبه ضربا من ضروب الانتهازية وعدم الوضوح واللعب على القاعدة الحزبية، وبفعل ذلك انسحب. ويعتبر حزب سليم حاليا أكبر وأهم أحزاب الدعوة في العراق، وتعتبر منطقة البصرة ومدينة الصدر أهم معاقله
العدد 621 - الثلثاء 18 مايو 2004م الموافق 28 ربيع الاول 1425هـ