العدد 621 - الثلثاء 18 مايو 2004م الموافق 28 ربيع الاول 1425هـ

شهادة حول عقد الصحافة المشرقية الذهبي

الصحافة العربية في عالم متغير

كانت الستينات الماضية هي العقد الذهبي بالنسبة الى العشرينات. ولكنها كانت كذلك عقدا ذهبيا في أية حال. ففيها التقى محمد عبدالوهاب وأم كلثوم، وفيها استقال شارل ديغول لأن الفرنسيين خذلوه في الاستفتاء.

وفيها كتب نزار قباني دفاتر النكسة، وفيها غنت فيروز ولملمت ذكرى لقاء الأمس بالهرب.

في ذلك العقد كانت بيروت تنتقل من صحافة الحرفيين المنبثقة من مطلع القرن، الى ما سيسمى صحافة الأوفست. من الآن صف الأحرف العاملة على القصدير، والتي في حجم غرفة النوم، الى آلة طابعة في حجم حقيبة يد لا رصاص فيها ولا قصدير ولا هدير.

كانت العناوين الرئيسية تحفر على كرتون مقوى بالمقلوب، ثم أصبحت تحفر على ما يعرف بالكليوشو - غراف، الذي اجاده البارونات الأرمن، ولما وصل الأوفست صار في امكان أي محرر ان يصفّ عنوانه بنفسه، وأن يختار له الحرف الذي يريد والحجم الذي يرتئي.

كنت تدخل الى قاعة صف الأحرف فيخيل اليك أنك في ورشة لاصلاح الدبابات، أما الآن فلا تسمع فيها سوى الصمت.

وكانت الأخبار تأتي الى الصحف «بالتلبرنتر» الذي تسمع صوت طباعته خارج المبنى، أما الآن فتأتيك على شاشة صغيرة امامك، أو طبعا على هاتفك الجوال.

أسعدني الحظ انني دخلت الى عالم الصحافة الجميل في تلك المرحلة بين مرحلتين: ففي العام 1961 كانت «النهار» تعد وتجمع وتركب في مكاتب من أربع غرف في سوق الطويلة، وفي العام 1963 انتقلت الى «العصر» في مبنى حديث متكامل أول شارع الحمراء.

ولم يكن ذلك العقد الذهبي فنيا فحسب بل كان عصر انتقال الصحافة اللبنانية من المحلية وأسواق بيروت ومقاهيها الى المدى العربي الأوسع. فقد أصبح الرئيس جمال عبدالناصر يطلب «النهار» من مكتب طيران الشرق الأوسط في القاهرة قبل ان ينام.

وأصبح مؤسس «الحياة» (كامل مروه) أحد أبرز الصحافيين السياسيين العرب، ودفع حياته ثمنا لأهميته العام 1966.

وبرزت الصحافة اللبنانية الاسبوعية ايضا الى جانب مجلات مصر. وبلغت «الأسبوع العربي» مع ياسر هواري و«الحوادث» مع سليم اللوزي، أرقاما مذهلة نسبيا، وحضورا عربيا ملفتا. ولم تعد الصحافة حرفية تعتمد المقال الاطنابي أو الانتقادي، وتكتفي بنقل ما يأتيها من أخبار، بل دخلت عصر المراسلين والكتاب الضيوف والبحث عن الخبر. وفي الستينات كانت «النهار» توفدني الى فرنسا لتغطية انتخاباتها، وكأنها انتخابات محلية، وبسبب تغطيتي للثورة الطلابية في مايو/ أيار 1968 تحولت الى الصفحة الأولى، ثم أصبحت أسافر «للنهار» الى موسكو ودبلن ونيويورك وبرلين وسواها. فقد كانت «النهار» تعتبر انها يجب ان يكون لها حضور مشابه لصحف العالم، من أجل قارئها ومعلنها الجديدين. ومع هذه الصورة الحديثة لم تتخل «النهار» ولا الصحافة اللبنانية بصورة عامة، عن دورها السياسي، ففي العام 1968 اسقطت «النهار» حكم المكتب الثاني وقمع الحريات، كما ساهمت العام 1952 في اسقاط حكم الشيخ بشارة الخوري واستشراء الفساد. وغني عن القول ان الصحافة اللبنانية في صورة عامة كانت تعكس حال العالم العربي وخلافاته وصراعاته، ويذكر محمد حسنين هيكل نفسه في كتابه «بين الصحافة والسياسة» ان معارك مصر كانت تبدأ في صحف بيروت، ثم تتبناها صحف القاهرة.

ولا نشك في ان التجربة الصحافية في لبنان كانت فريدة من نوعها، فهو البلد العربي الوحيد الذي كانت فيه صحيفة يومية للحزب الشيوعي، اضافة الى مطبوعاته الأخرى، وكانت فيه صحف الرجعية والانعزالية والقومية والوطنية وكل ما تشاء من تصنيفات، وكان يقال في الكتب القديمة ان أول من يصل الى القمر سيجد انه قد سبقه لبنانيان: واحد يحمل (كشكا) لبيع البضائع، وآخر يحمل قلما وورقة. ولذلك ما ان حل التلفزيون في العالم العربي حتى كان اللبنانيون اول من خاض الغمار، وكان يبهجني في تلك الايام ان اقف تحت الأضواء وأحدث الناس عن احوال الكرة، وكانت تواجهني مشكلة غير بسيطة اطلاقا، فقد كان مضيفي آنذاك المذيع جورج فرشخ، وكنت كلما تذكرت اسمه، ولا أزال أهم بالضحك، وحاولنا عبثا اقناع فرشخ بأن يغير اسمه، فكل ما قبل بتغييره هو اسمه الاول، أما فرشخ فهو اسم الجد الزغرتاوي الكريم. تحولت بيروت في الستينات الى تجربة سياسية ثقافية نادرة، ففي تلك المرحلة أقحمت الصحافة في معظم العالم العربي، وجاء عدد كبير من سياسيي المغرب والمشرق لاجئين للقومية ويرفعون مستوى همومها، ويومها جاءنا ثلاثة من ألمع الاعراب، نزار وأدونيس ومحمد الماغوط، وجاء من العراق شرّاع جايكور وبدر شاكر السياب، وقامت حركة «شعر» على دفع المواهب العربية، وسئل الماغوط فيما بعد: لماذا انضم الى حركة الشعر الحديث؟ فقال لأن الحركة كانت تقدم العشاء للجياع.

كان أهل الانقلابات في العالم العربي ينقلبون الى بيروت ويجدون في صحفها متنفسا وفي مقاهيها لا يجدون شرطيا، ووصلت الأوفست الى العاصمة المتوسطية مع وصول المد العربي، وأصبحت مقالات كبار الكتاب مثل ميشال أبوجودة تتناول هموم العرب لا شئون البلد. وحتى العملاقان مصطفى وعلي أمين جاءا الى بيروت للعمل في «دار الصياد» بعد الهجر المؤقت من مصر. وأصبح لـ «النهار» و«الأنوار» و«الحياة» حضور في عواصم العرب لا يقل عن حضور «الأهرام» من قبل. ولم تكتف بيروت بتطوير صحافتها في ذلك العقد بل أخذت ترسل صحافييها لتأسيس الصحف الجديدة في الخليج، كما فعلت في مصر أواخر القرن الثامن عشر. ولكنهم هذه المرة لم ينشئوا «الاهرام» أو «الهلال» أو «المقطم» بل ساهموا بتواضع في نقل التجربة القديمة وخبرة الأوفست التي كانت قد وصلت للتو. * كاتب اللبناني

العدد 621 - الثلثاء 18 مايو 2004م الموافق 28 ربيع الاول 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً