من المعروف أن مملكة البحرين بحكم موقعها الاستراتيجي المهم في الخليج العربي قديما وحديثا كانت تمثل حلقة الوصل للتجارة العالمية بين الشرق والغرب، والآن هي على أعتاب القرن الحادي والعشرين تسعى إلى تهيئة الاقتصاد الوطني للمرحلة المقبلة، وذلك بتطوير البنية الأساسية ورفع مستوى ونوعية الخدمات التي تقدمها الدولة للمواطنين والمستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى توفير المناخ الاستثماري المناسب لاستقطاب الاستثمارات المحلية والإقليمية والعالمية في البحرين، وذلك عن طريق توسعة وتنويع القاعدة الاقتصادية وبالتالي تحقيق استمرارية معدلات نمو اقتصادية مجزية، وتوفير فرص عمل جديدة ورفع المستوى المعيشي وتوفير حياة كريمة آمنة للمواطنين. ومع كثافة عدد الطلبة الراغبين في دخول مجال «البزنس» والمحاسبة والإدارة المصرفية والمكتبية هل تستوعب هذا المجالات هذا العدد من الخريجين؟ سؤال طرحناه على عدد من المختصين في هذا المجال فجاءت معظم الإجابات سلبية وغير مشجعة للخريجين.
إذ قال عضو جمعية الاقتصاديين خالد عبدالله: «لا مجال اليوم لهذه الأعداد المتزايدة من الخريجين في المجالات الاقتصادية، والسبب يعود إلى تزايد عدد الخريجين في كل عام عن العام الذي قبله وفي الوقت نفسه ليس هناك ازدياد في وتيرة عدد الوظائف، كما أنه ليست هناك فرص ذات رواتب مجزية في مستوى شهادة الخريجين، ما يجبرهم على أن يعملوا في مجالات غير مجالاتهم أو يضطروا لقبول أي راتب».
وأشار إلى أن أعداد الخريجين كافية في جميع المجالات الاقتصادية ولا يلاقون أية صعوبة أو ندرة في الحصول عليهم، والمشكلة أن الخريجين المتوافرين في المجالات العامة وهناك مجالات متقدمة كإدارة المخاطر لا يوجد متخصصون فيها.
ويأتي رأي مدير مكتب الأمم المتحدة للتنمية الصناعية هاشم حسين معارضا لرأي عبدالله إذ قال: «إن الأعداد المطردة من الخريجين نحو المجالات الاقتصادية مؤشر جيد وخصوصا بأن البحرين تعتبر مركزا ماليا مهما على المستوى الخليجي والعالمي وهي بحاجة إلى طاقات بشرية كثيرة في هذا المجال». مضيفا «ولكن يجب أن يكون هؤلاء الخريجون مهيئين نظريا وعمليا لخوض هذا المجال لأن هناك الكثير من المجالات المتقدمة بحاجة إلى تدريب على الأعمال المصرفية».
وأشار إلى أنه لو كان هناك توجه للمواد العلمية لحدث خلل كبير في القطاع الاقتصادي.
وأوضح الأكاديمي والمحلل جاسم حسين: «أن المؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة هي التي تستوعب أعدادا من المتخرجين ولكن لا تعطى رواتب مرتفعة، ولكنني أنصح جميع الخريجين بقبول أية وظيفة تعرض عليهم، لربما من خلالها يستطيعون تحقيق ذاتهم، فالكثير من الشخصيات الكبيرة تكونت من داخل مطاعم صغيرة». مضيفا «أن المؤسسات الكبيرة لا تستطيع استيعاب الخريجين لاعتمادها على التقنيات الحديثة التي تغنيها عن عدد كبير من العمال».
ومن جهتها قالت اقتصادي أول في وزارة التجارة ابتسام العريض: «في الوقت الحالي لا تستوعب سوق العمل هذه الأعداد الكبيرة من الخريجين، ولكن بوسعها احتضانها عند تطبيق المشروعات الاقتصادية الجدية كالمرفأ المالي على سبيل المثال، لأن هذه المشروعات تحتاج إلى كفاءات اقتصادية ومصرفية». وأشارت إلى أنه لابد من إحلال الخريجين البحرينيين محل العمال الأجانب وهذا من شأنه أن يحل مشكلة كبيرة.
وأوضحت أن الاعتماد على العمالة البحرينية من شأنه أن يوفر مجالا واسعا للخريجين ولكن ليس من شأنه أن يحتضن جميع الخريجين. وقالت: «هناك عدد كبير من التخصصات التي تحتاجها سوق العمل وبالتالي فإن الجامعة بحاجة ملحة إلى إعادة صوغ مناهجها لكي تستوعب احتياجات سوق العمل».
يذكر أن ابرز التحديات التي تواجه التنمية الاقتصادية في المملكة تتمثل في الزيادة المطردة في عدد السكان، وارتفاع نسبة تعداد الشباب في المجتمع البحريني على أنه يمثل مؤشرا ايجابيا إلى الثروة البشرية إلا أنه في الوقت نفسه يشكل تحديا جديا يتمثل في إيجاد البيئة الصالحة لتنشئتهم وتأهيلهم وتوفير فرص العمل المناسبة لهم، يضاف إلى التحديات محدودية الموارد الطبيعية وسوء استغلالها بما فيها النقص الحاد في الموارد المائية وتلوثها وندرة الأراضي الصالحة للنشاطات الزراعية المختلفة وتدهور نوعيتها ونقص الطاقة غير المتجددة، والعولمة والآثار التي قد تحد من إمكان تحقيق التنمية في المملكة خصوصا وفي المنطقة العربية عموما، إلا من خلال الاستفادة مما تقدمه من فرص واعدة تبشر بقدر أكبر من الإنتاجية وبمستوى أعلى من المعيشة وذلك بترتيب دول المنطقة لأوضاعها الاقتصادية والمؤسسية وإيجاد تكتل إقليمي قوي مبني على المقومات الثقافية والحضارية والاقتصادية للمنطقة، وضعف التكتلات الاقتصادية الخليجية والعربية لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية، وغياب السوق الخليجية والعربية المشتركة التي ستوفر سوقا كبيرة للمنتجات العربية لدعم الموقف التفاوضي لدول المنطقة مع التجمعات الإقليمية والتكتلات الاقتصادية الأخرى بما فيها منظمة التجارة العالمية، وعدم الاستقرار في المنطقة الناتج عن غياب السلام والأمن وعدم تمكن المجتمع الدولي من معالجة القضية الفلسطينية والأراضي العربية المحتلة، واحتلال العراق من قبل القوات الأميركية والبريطانية
العدد 644 - الخميس 10 يونيو 2004م الموافق 21 ربيع الثاني 1425هـ