العدد 646 - السبت 12 يونيو 2004م الموافق 23 ربيع الثاني 1425هـ

«الأنيمي»... رسوم تجسد عالم الخيال الياباني

ظاهرة تعكس ماضي اليابان وحاضرها

ظهر أول فيلم ياباني من نوع الرسوم المتحركة منذ حوالي تسعين عاما، وأصبحت اليابان الآن بمثابة عاصمة العالم للرسوم المتحركة أو «الأنيمي» كما يسمونها في اليابان، فكيف تطورت هذه الأفلام لتتحول إلى صناعة كبيرة وثقافة شائعة بين اليابانيين وكيف تحول الناس في جميع أنحاء العالم إلى معجبين مخلصين لـ «الأنيمي»؟ نتتبع هنا مراحل تطور أفلام الرسوم المتحركة في اليابان ونكشف معا سر هذا النجاح الكبير.

اكتسبت أفلام الرسوم المتحركة اليابانية أو «الأنيمي» شهرة عالمية واسعة بين عشية وضحاها إثر فوز الفيلم الياباني «Spirited Away» بجائزة الأوسكار كأفضل فيلم من نوع الرسوم المتحركة في الحفل الخامس والسبعين للأكاديمية العام 2003، وطبعا كانت الأفلام اليابانية من هذا النوع تعرض في كل مكان من العالم ويراها الأطفال ويستمتعون بها وإن كان معظم هؤلاء الأطفال قد لا يعلمون أن ما يشاهدونه هو في الواقع فيلم ياباني. وشدت تلك الأفلام اليابانية معجبين كثيرين حول العالم منذ أوائل التسعينات من القرن الماضي، ففي الولايات المتحدة مثلا تحول أبطال حلقات «الأنيمي» التلفزيونية المبكرة مثل «الولد الفلكي» و«المسابق الصاروخي» إلى رموز تلفزيونية شامخة، وفي أوروبا عرضت تلفزيونيا حلقات «مغامرات هيدي، فتاة الألب» و«كاندي كاندي»، ويقال إن حوالي 90 في المئة من سكان إسبانيا دأبوا على مشاهدة «مازينغر». بل وذكر بعض لاعبي الكرة المحترفين إنهم شرعوا في ممارسة اللعب بحماس كبير بعد مشاهدتهم حلقات «كابتن ماجد». وأثار النجاح الساحق لحلقات «سيلارمون» منذ بضعة أعوام شغفا كبيرا بين الألمان لمشاهدة أفلام «الأنيمي» التي تصنعها اليابان. وفي آسيا يبدو أن أفلام «درايمون» و«كرة التنين» هي أكثر شهرة من أفلام والت ديزني.

وهناك أفلام الخيال العلمي والالكتروني التي تستكشف المستقبل القريب مثل «أكيرا» للفنان أوتومو كاتسوهيرو و«عفريت الصدفة: ستاند ألون كومبلكس ونيون جينسس إيفانغليون» وكلاهما للفنان شيرو ماساموني، هذه النوعية من أفلام الرسوم المتحركة خلقت نمطا مبتكرا أثّر في أفلام شهيرة مثل «ماتريكس»، أما فيلم «الوحوش المصغرة» المنبثق عن أفلام الفيديو المعروفة باسم «بوكيمون» فقد أحدث ضجة كبيرة في الولايات المتحدة وأصبحت من كلاسيكيات سينما الرسوم المتحركة هناك. وتنتج اليابان نحو خمسين أو ستين فيلم «أنيمي» جديداَ أسبوعيا ويتم تصدير عدد من تلك الأفلام إلى خارج البلاد.

الأنيمي والمانجا... علاقة اعتماد متبادل

لماذا يتمتع «الأنيمي» أو الرسوم المتحركة اليابانية بكل هذه الشعبية بين اليابانيين؟ ولماذا بدأ الآن يحظى بكل هذا الاهتمام من جانب جمهور المشاهدين خارج اليابان؟ للإجابة على هذه الأسئلة لا نستطيع أن نتجاهل ولع اليابانيين الشديد بكتب الكاريكاتير أو «المانجا» كما يلقبونها في اليابان، والتي تعد بمثابة «الجد الأصلي» لفن «الأنيمي». هناك أيضا أسباب أخرى محتملة، فكثير من الناس يستمتعون بطراز الأفلام الكاريكاتيرية عموما، ولأنه طراز يمكن بسهولة تغيير عناصره ليتلاءم مع الجماهير في مختلف الدول لذلك تحول عالم الخيال الياباني والثقافة اليابانية من عالم «المانجا والأنيمي» إلى فن يعرفه العالم كله.

وبدأت اليابان فعلا في انتاج الرسوم المتحركة قبل الحرب العالمية الثانية وانتجها فنانون مثل ماساؤكا كينزو وسيوتارو، وبعد الحرب ظهرت أفلام روائية من الرسوم المتحركة تسير على نهج روائع أفلام والت ديزني وتمكنت هذه الأفلام بدءا من فيلم «الثعبان الأبيض» لشركة توئي للرسوم المتحركة من تحقيق نجاح بالغ حتى أن بعضها تم عرضه في الخارج إذ فاق توقعات المنتجين اليابانيين. على أن «الولد الفلكي» - وهو عمل تلفزيوني يختلف تماما عن نمط أفلام والت ديزني - أصبح العرض الذي أرسى القواعد الأساسية للرسوم المتحركة اليابانية أو «الأنيمي» بتركيزها المميز على الشخصية والخط الروائي.

ويعد تيزوكا أوسامو من أشد المعجبين بأفلام والت ديزني المتحركة، وعندما صنع «الولد الفلكي» قرر إنقاص عدد الصور الأساسية واستخدام الحركة الواحدة بصورة مستمرة، هذا الأسلوب وإن أدى إلى تقليل الحركات والجاذبية الجمالية للعمل، فإنه سهّل أمر التركيز على القصة ولحظة الذروة، وجرب تيزوكا طرقا كثيرة لخفض كلف الإنتاج وظل ينجز عملا جديدا وراء الآخر، وابتكر شكلا فنيا جديدا باستخدام صور ثابتة وجعلها تبدو كما لو كانت متحركة وكذلك وضع صور قصيرة فوق بعضها.

وحقق «الولد الفلكي» نجاحا ساحقا وخلق عصرا جديدا من أفلام الرسوم المتحركة ذات الخيال العلمي ظهرت فيه أفلام مثل «الرجل الحديدي 28» و«الرجل الثامن» كما مهّد لابتكار نمط تجاري جديد خاص بالرسوم المتحركة التلفزيونية ونعني بذلك ابتكار منتجات منبثقة عن شخصيات من الرسوم المتحركة والارتباط بجهة تجارية تكون بمثابة الراعية المادية.

وأكثر من نصف عروض «الأنيمي» التي أنتجت في الستينات كانت ملهمتها «المانجا» أو قصص الكاريكاتير اليابانية، وعقب انتهاء صيحة الخيال العلمي الصارخة اتجهت عروض «الأنيمي» التلفزيونية المعتمدة على قصص من «المانجا» نحو اتجاهات مختلفة إذ برزت أعمال ناجحة جدا مثل «الساحرة سالي» من أجل الفتيات الصغيرات و«العفريت كيو - تارو» عن عفريت خجول و«نجم العمالقة» عن لاعب بيسبول صغير يبحث عن الحقيقة. وتحولت قصص «المانجا» الكاريكاتيرية إلى عروض «أنيمي» تلفزيونية ورسخت موقعها كثقافة شعبية واسعة الانتشار. والعجيب أن الرسوم المتحركة اليابانية بتحقيقها شعبية كبرى بين الصغار والمراهقين أدت في النهاية إلى إثارة اهتمام أكبر بكتب «المانجا» عموما، ما دعم مبيعات تلك الكتب والمجلات الكاريكاتيرية.

جمهور أكبر... إنتاج أكثر تنوعا

أحدث ناجاي جو بعمله «مازينغر» نجاحا ساحقا في مطلع السبعينات من القرن الماضي وكان ذلك بمثابة دفعة لعالم «الأنيمي» نحو اتجاه جديد هو اتجاه الإنسان الآلي العملاق وبدأت مصانع اللعب تصنع لعبا يعتمد أساسها على هذه المخلوقات الكاريكاتيرية العملاقة. وبدلا من أن تستمد «الأنيمي» إلهامها من رسوم كتب «المانجا» أصبحت هي الملهمة لغيرها، وتتابع ظهور مغامرات الخيال العلمي المثيرة ذات المعارك العنيفة بين أناس آلية عملاقة وكان ذلك في منتصف السبعينات وأبرز تلك الأعمال هو «ياماتو، الجوال الفضائي» الذي خلق جيلا من عشاق «الأنيمي». إن هذا الفيلم الذي تابعه شباب تحت العشرين بشغف شديد أحدث صيحة أخرى في أفلام الخيال العلمي فتحت الباب على مصراعيه لنشر مجلات «أنيمي» وشدت أيضا اهتمام الكبار، وأحد أعمال الخيال العلمي التي ركبت هذه الموجة وكان لها نجاح مدوٍ هو «غاندام ذو السترة المتحركة».

وبدأت عروض «الأنيمي» في تصوير المراهقين وصغار الشباب بعد كتب «المانجا» التي سبقتها في ذلك بعشر سنوات وذلك من خلال قصص أكثر تشابكا وموضوعات فلسفية مع تصوير انفعالات هذا السن، فنجد أعمالا مثل الآلهة الاسطورية العملاقة «إيديون» و«بوتوموسو» و«داجوراما» - وكلها من حلقات «غاندام» - تركز على هؤلاء الشباب وتستمر في ذلك مع حلول الثمانينات من القرن الماضي، على أن العصر الذهبي لتلك الأعمال الموجهة للشباب والتي لم تنبثق عن كتب كاريكاتيرية قد انتهى بعد العام 1980 بفترة قصيرة ثم عادت كتب «المانجا» الناجحة لتكون هي الأساس لأعمال «الأنيمي» التي تحقق نجاحا خارقا. من هذه الأعمال نذكر «هذه المخلوقات العجيبة» و«تانش» و«كيماجوري أورانج رود»، أما «د. سلامب» وهو عمل ناجح آخر فقد أرغم منتجي «الأنيمي» على إلقاء نظرة ثانية على كتب «المانجا». ونرى ثانية ظاهرة الاعتماد على كتب «المانجا» في عمل الرسوم المتحركة في فيلم «درايمون» وهو فيلم روائي متحرك تم انتاجه العام 1980م.

بعض القصص الكاريكاتيرية من مجلة «شونن غامب» التي كانت مجلة ناجحة جدا في ذلك الوقت تحولت إلى عروض «أنيمي» وحققت نجاحا ضخما، نذكر من ذلك ثلاثة أعمال هي «كابتن ماجد» و«فرسان البروج» و«ورجل العضلات»، ومن ناحية أخرى نجد أفلاما مثل «أكيرا» للفنان أوتومو كاتسوهيرو قد انبثقت من أسلوب جديد من المانجا. بعد ذلك نجد كلا من الأنيمي والمانجا وقد اتخذا في منتصف الثمانينات أشكالا جديدة ما مكنهما من توسيع قاعدتهما الجماهيرية باستيعاب جماهير جديدة من شرائح عمرية مختلفة عن جمهورها المعتاد فالموضوعات والسبل التي طرقها فن «الأنيمي» و«المانجا» شدت الأطفال وشباب تحت العشرين من الجنسين بل وجذبت حتى الكبار.

وكان تطور «المانجا» بالذات وهي الملهم الأصلي لفن «الأنيمي» كبيرا للغاية إذ تعددت موضوعاتها ومرت بتحولات متنوعة في أساليبها. وبالنسبة إلى الأنيمي نجد أن غالبية أفلام الرسوم المتحركة الأجنبية غير اليابانية تتصف بنبل يناسب جمهورها من الأطفال ونرى ذلك بصفة خاصة في أفلام والت ديزني، وفيما عدا ذلك يكون عادة من نوع الفن التجريبي. أما الأفلام اليابانية فنجد لها خطا قصصيا يناسب الشباب تحت العشرين والشباب البالغ لذلك فإنها تجذب نوعا آخر من الجمهور. كما تتجنب الأفلام اليابانية الموضوعات التي تنتهي بتحقيق عدالة أخلاقية أو شاعرية وبدلا من ذلك فإنها تشجع المشاهدين على اكتشاف تحديات جديدة وتغمرهم بجو من سحرها المعبق. وأصبحت الأعمال رفيعة المستوى مثل تلك التي يقدمها أوتو كاتسوهيرو وشيرو ماساموني تنال الاعتراف الكامل بها باعتبارها فنّا من نوع الخيال العلمي الإلكتروني.

أما ميازاكي هاياو الذي أحدث ضجة كبيرة بفيلمه «لوبان (3): قلعة جاليوسترو» فهو فنان رفع الأنيمي إلى مرتبة التقديس بفضل فيلمه «وادي الرياح»، وهو نفس ما حققه فنان آخر هو أوشي مامورو من خلال فيلمه «هؤلاء الغرباء المنفرين (2): الحالم الجميل» ونتيجة لذلك بدأ الجمهور ينظر إلى هؤلاء الرسامين كما ينظر إلى كبار الممثلين وغيرهم من المشاهير، وبدأ الأثر الترفيهي البليغ لفن «الأن

العدد 646 - السبت 12 يونيو 2004م الموافق 23 ربيع الثاني 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً