تسعى ستوديوهات (موسفيلم) الروسية - التي تعد واحدة من اكبر المدن السينمائية المعاصرة في أوروبا، على رغم صعوبة مقارنتها بعاصمة السينما الاميركية في هوليوود - الى تجديد شبابها والدخول في معترك الابداع السينمائي العالمي.
وتشتمل مدينة (موسفيلم) الواقعة في واحدة من ارقى وأغلى المناطق في العاصمة الروسية على مجسم طبيعي بالحجم العادي لوسط موسكو في الثلاثينات إذ تتوافر الامكانات للمخرجين السينمائيين لتصوير افلام تاريخية وسياسية من دون الكثير من العناء اوالديكورات الاضافية. ولا يكمن الانجاز الاهم بالنسبة إلى «موسفيلم» في تطوير الجانب الفني والقدرات التكنولوجية في هذه المؤسسة بقدر ما يكمن في الحفاظ على هذه القلعة الثقافية الابداعية في زمن الخصخصة إذ امتدت ايدي اخطبوط المال الى جميع المرافق.
نتائج مثمرة لجهود فردية
ويعود الفضل في ذلك الى مدير مؤسسة موسفيلم المخرج السينمائي كارين شاهنزاروف الذي اصر على وضع المؤسسة تحت اشراف الدولة وضمن الاملاك الفيدرالية على رغم تخلي الدولة منذ سنين طويلة عن تمويلها وتركها تواجه مصاعب الحياة بقدراتها الذاتية. وقال المخرج شاهنزاروف الذي اغنى السينما السوفيتية والروسية بمجموعة من الاعمال الفنية الراقية ان موسفيلم قدمت للسينما العالمية ابداعات فنية مثل فيلم (الحرب والسلام) وفيلم (موسكو لا تصدق الدموع) الذي حصل على جائزة اوسكار.
واضاف شاهنزاروف لوكالة الانباء الكويتية (كونا) اثناء لقاء مع رابطة الصحافيين الاجانب ان موسفيلم تقوم بانتاج اربعة افلام سنويا بعد ان قمنا بتطوير القاعدة الفنية والتكنولوجية في هوليوود.
واشار شاهنزاروف الى اهتمام الكثير من الشركات السينمائية الغربية بتصوير بعض الافلام او تسجيل الموسيقى التصويرية في موسكو نظرا إلى الجودة العالمية وقلة الكلفة.
واوضح ان مؤسسة موسفيلم تملك واحدا من افضل ستوديوهات تسجيل الصوت في العالم مقدرا حجم الاستثمارات في السينما الروسية بحوالي 250 مليون دولار سنويا.
أزمة ماليه وأدبية
وكانت السينما الروسية عانت ازمة مالية وادبية شديدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وغياب الافلام التي كانت تستمد من الايديولوجية الاشتراكية قوة لم تضعها في مصاف الافلام العالمية فقط بل وجعلتها من اكثر الافلام المفضلة لدى الجيل الروسي المعاصر والذي لم يعد يعرف عن الاشتراكية شيئا. واغرق المنتجون التجاريون الاسواق بافلام رخيصة ليس فقط من الناحية المادية بل والادبية وحصروا موضوعاتها في الخلاعة والجريمة والمخدرات ما جعل الافلام الاميركية لعقد من الزمان هي الافلام المفضلة في السوق الروسية سواء في دور العرض او الفيديو.
وحاول بعض عمالقة الاخراج الروس انقاذ الوضع من خلال اعمال سينمائية جادة لكنها ظلت يتيمة مثل فيلم نيكيتا ميخالكوف (حلاق سيبيريا) و(فارس الموت) للمخرج كارين شاهنزاروف الذي اثار الكثير من الجدل ببعثه موضوع الارهاب في التاريخ الروسي السياسي. وبعد احجام طال عمره عن دور العرض القديمة عاد المشاهد الروسي أخيرا لمشاهدة الافلام الجدية على رغم ارتفاع اسعار التذاكر والتي تعادل زهاء عشرة دولارات الامر الذي ساهم في خلق فرص جديدة امام صناع السينما الروسية الذين باتوا يراهنون على عودة الوعي الثقافي للانسان الروسي بعد سنوات من التيه والتخبط.
ضرورة التمويل
ويعتبر شاهنزاروف التمويل امر ضروري بالنسبة إلى السينما الروسية ولكن بشرط ان لا يكون هذا التمويل مصحوبا باخراج افلام ذات توجهات محددة داعيا الى ضرورة ان يكرس المال من اجل السينما وليس العكس والا فان السقوط سيكون مصير هذه الظاهرة الابداعية.
وعانت السينما الروسية خلال السنوات الماضية من ظاهرة لجوء اصحاب الملايين الذين قاموا بشراء ادوار بطولة لزوجاتهم وكريماتهم اوعشيقاتهم اللواتي سعين الى الشهرة ليس عن طريق الابداع الذاتي بل عن طريق المال الذي ادى بالسينما الروسية الى الهاوية. ويعتقد شاهنزاروف ان السينما الحقيقية بحاجة الى ايديولوجية وليس بالضرورة ان تكون ايديولوجية شيوعية او اشتراكية اضافة الى مستوى عال للكوادر الفنية الابداعية. وقال ان الافلام الروسية الجادة تتميز بمخاطبة الروح بعكس السينما الاميركية التي تقدم نماذجا قصصية روائية.
أفلام تخاطب الروح
والافلام الروسية التي حاولت ان تخاطب الجانب الروحي حققت نجاحا باهرا كما حدث مع فيلم (المسلم) الذي اخرجه فلاديمير خوتينينكو ولعب دور البطولة فيه الممثل الشاب يفغيني ميرونوف.
وقال ميرونوف في تصريح لـ (كونا) ان هذا الفيلم كان حدثا رائعا بالنسبة إلي إذ حذرني البعض من مغبة لعب دور المسلم على اساس انني مسيحي ارثوذكسي، واضاف «انك لا تتصور مدى تعلقي بالدين الاسلامي بعد ان لعبت هذا الدور والاسلام لايمت بصلة الى ما تتحدث عنه وسائل الاعلام والتي تحاول ربطه بالعنف والتطرف».
وذكر ميرونوف ان المنتجين والمخرجين الروس بدأوا يعرضون عليه القيام بلعب ادوار جدية وهادفة بعد فيلم (المسلم) بعد ان كان يقوم بادوار طائشة عاطفية.
ويلفت النظر في استوديوهات (موسفيلم) حرص الروس على تخليد ادوات السينما التي قدموا لها الكثير إذ يعتنون بالحلل والثياب وكذلك التيجان القيصرية التي استخدمت في الافلام الشهيرة مثل (الحرب والسلام) و(بوريس غودونوف) وفيلم (روسلان ولودميلا) و(ايفان فاسيلفيتش) و(انا كلرنينا). اضافة الى ذلك هناك المركبات والعربات والدبابات التي استخدمت في الافلام الحربية والتي سجل فيها السوفييت السبق مثل فيلم (المدافعون عن الوطن) و(الاموات والاحياء).
صحوة ثقافية
ويعتقد المراقبون ان فترة السبات في السينما الروسية الحديثة قد انتهت وان احد الاسباب المشجعة على ذلك عودة المشاهد الروسي الى دور السينما ورغبته في مشاهدة افلام جادة تعالج او تناقش على الأقل قضايا الساعة الملحة.
ووفقا لاحصاءات رسمية كان المواطن السوفياتي يزور دور العرض السينمائية 13 مرة سنويا في الثمانينات في حين تدهور هذا المعدل الى اقل من 0,25 مرة في نهاية التسعينات.
ودفعت حاجة السوق رجال الاعمال في الآونة الاخيرة الى افتتاح دور عرض عصرية شبيهة الى درجة كبيرة بدور العرض الأميركية حيث الكوكاكولا والفشار تشكلان جزءا لا يتجزأ من شخصيتها العصرية.
ويقول الخبراء ان روسيا بحاجة حاليا الى اربعة آلاف دار للعرض يكلف تشييدها زهاء 1,5 مليار دولار. ووفقا لمعطيات رسمية معلنة فقد بلغت عوائد شباك التذاكر في روسيا العام الماضي 270 مليون دولار ما دفع شركات الانتاج العالمية العملاقة الى افتتاح مكاتب تمثيلية لها في موسكو.
ويتوقع الخبراء ان تنخفض اسعار العروض الى حوالي ثلاثة دولارات فقط بعد ظهور المزيد من دور العروض العصرية
العدد 646 - السبت 12 يونيو 2004م الموافق 23 ربيع الثاني 1425هـ