العدد 673 - الجمعة 09 يوليو 2004م الموافق 21 جمادى الأولى 1425هـ

بيكر يهجر الصحراء الغربية وحكومة ثاباتيرو تتولى الملف

الصحراء المغربية والاستعمار (2-2)

بعد ان استعرضنا قضية الصحراء الغربية تاريخا وجغرافية، نستكمل الحديث عن هذه القضية وانطلاق العمل السياسي والعسكري.

جبهة البوليساريو

فقد انطلق العمل المسلح لجبهة البوليساريو العام 1973 واكتسحت معظم الحركات السياسية والتنظيمات الصغيرة والقديمة في ساحة العمل الصحراوي. لم تنشأ الجبهة من فراغ لكنها برزت فوق أرضية سياسية محددة وسابقة على نشأتها. وسارعت الجبهة خلال سنوات انطلاقها للتركيز على وضع برنامج سياسي واضح المعالم وحددت أسلوبها للوصول إلى أهدافها بالعمل علي الصعيدين السياسي والعسكري مثلها مثل حركات التحرر. وساعدت الظروف المحلية والإقليمية الجبهة فوضعتها في مصاف المناضلين من اجل الحرية وربطت حركتهم بحركات التحرر العالمي. ووجدت الحركة أحضانا دافئة في الجزائر التي منحتها المأوى المؤقت- صحراء التندوف- منطلقة من موقف دعم حركات التحرر ورغبتها في حرمان المغرب من ضم الصحراء الغربية.

الصراع في منظمة الوحدة الافريقية

تحددت أطراف النـزاع نهائيا وهي: المغرب، و«البوليساريو»، والجزائر، كل من وجهة نظره ومصالحه. وإذ أن غالبية الدول العربية كانت مؤيدة للمغرب، وإذ ان الأمم المتحدة كانت قراراتها مرتبكة تؤيد تقرير المصير للسكان الصحراويين من جهة، وتثبت بطريقة غير مباشرة اتفاق مدريد الخاص بتسليم الصحراء إلى المغرب وموريتانيا من جهة أخرى، فإن الجزائر و«بوليساريو» حالتا دون دراسة القضية في الجامعة العربية، وفتحتا خطا موازيا للأمم المتحدة من أجل مواصلة المعركة الدبلوماسية. هذا الخط هو منظمة الوحدة الافريقية التي تتمتع فيها الجزائر بنفوذ أكبر من المغرب. وظلت المعارك الدبلوماسية المغربية الجزائرية في منظمة الوحدة الافريقية في شد وجذب إلى أن توجت باعتراف المنظمة بـ «جمهورية بوليساريو» وقبولها عضوا فيها. فكان رد فعل المغرب مقاطعة المنظمة الافريقية وتعليق عضويته فيها. حدث اعتراف المنظمة بـ «جمهورية بوليساريو» على رغم إعلان المغرب قبوله إجراء الاستفتاء من أجل تقرير المصير وبذلك اقتصرت المبارزة المغربية الجزائرية المباشرة على أروقة منظمة الأمم المتحدة.

الصراع في الأمم المتحدة

بعد حكم محكمة العدل الدولية المتناقض الذي يؤيد اتفاق مدريد الثلاثي: اسبانيا - المغرب - موريتانيا، ويؤيد حق الاستفتاء أخذت الكفة تميل لصالح الجزائر و«بوليساريو» في كل دورة للأمم المتحدة، وكانت عمليات التصويت تعكس موازين القوى بين المغرب والجزائر على أرض الواقع. وإذا أخذنا مقياسا لذلك تصويت الأمم المتحدة على القرار 3458 في الدورة الثلاثين (1975) نجد أن التصويت المتعلق ببحث تقرير المصير لسكان الصحراء انتهى لصالح الجزائر بنسبة 88 صوتا مقابل 41 صوتا، و15 (غياب).

أما التصويت المتعلق باتفاق مدريد فانتهى لصالح المغرب بنسبة ضئيلة إذ صوت مع القرار 56 دولة، مقابل 42، وامتناع 24 دولة وتغيب 12 دولة. وبالتالي فإن قرارات الأمم المتحدة لم تكن لها الفعالية الكافية وإنما كانت غطاء لتنافس سياسي ودبلوماسي بين المغرب والجزائر، أما «بوليساريو» فقد كانت تقبع - دائما - خلف الكواليس.

إن قرارات الأمم المتحدة إلى ما قبل حرب الخليج، وظهور بوادر النظام العالمي الجديد لم تكن بالنسبة إلى البوليساريو إلا أضغاث أحلام ومحاولات ضغط، وكسب جولات دبلوماسية لا تغني بالنسبة إلى سياسة الأمر الواقع التي نهجها المغرب بفرض سيطرته على الأرض الصحراوية وضمها إلى الوطن الأم. ذلك أن حسم الصراع السياسي على واقع الأرض يجعل من القرارات الدولية مجرد لغو ورفاهية دبلوماسية وجعجعة ليس بعدها طحن.

إلا أن قبول المغرب لمبدأ الاستفتاء من أجل تقرير المصير، فتح الطريق أمام الأمم المتحدة التي سرعان ما أقرت المبدأ، وعينت نائبا للأمين العام للأمم المتحدة للإشراف على الاستفتاء، ثم أرسلت جنود الأمم المتحدة للمراقبة في السادس من سيتمبر/أيلول1991 وعينت تاريخا للاستفتاء هو أول سنة 1992 ثم تأجل الاستفتاء إلى 1993، وعين يوم الخامس عشر من يوليو1993 للقاء الطرفين في مدينة العيون لوضع مقاييس تحديد هوية المشاركين في الاستفتاء.

وفي هذه الأثناء لاحظنا أن الأحزاب المغربية أبدت انزعاجا من الاستفتاء وأخذت تطالب بعدم إجرائه لأن الظروف تجاوزته، وخصوصا بعد اتفاق المغرب العربي الذي التزمت فيه كل دول المنطقة بعدم مساعدة أي خصم لأنظمتها، وبعد انهيار الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في الجزائر بشكل يجعلها غير قادرة مطلقا على دعم «البوليساريو». وبعد حسم الصراع ميدانيا بالسيطرة على أرض الصحراء، وبداية العد التنازلي لتماسك المنظمة الصحراوية الانفصالية.

أما الجزائر فإنها تحاول أن تخرج من المعركة بمكسب ما، وهي تفضل أن يكون المكسب تنازل المغرب عن مطالبه الترابية في غرب الجزائر، لذلك صرح ناطق باسم الخارجية الجزائرية بأن ترسيم الحدود بين الجزائر والمغرب ينبغي أن يجري قبل العام 1993، في عرض غير مباشر لصفقة مغربية جزائرية فحواها أن الجزائر مستعدة للتخلي نهائيا عن البوليساريو إذا رسمت الحدود بين الطرفين. ولكن المغرب يعرف أن الجزائر مضطرة للتخلي عن «البوليساريو» من دون مقابل نظرا إلى ظروفها الداخلية، ولذلك كان جوابه غير المباشر اعتقال أحد قياديي الجماعة الإسلامية اللاجئين في المغرب عبدالحق عيادة. وكتبت بعض الصحف عن إمكان مبادلته بقيادة البوليساريو، وهكذا ضمن المغرب شبه استفراد بمنظمة البوليساريو.

السياسة الاسبانية

في الصحراء الغربية

تمثل الصحراء المغربية أهمية خاصة بالنسبة إلى اسبانيا، فهي إضافة إلى كونها ظهرا لحماية جزر الكناري الواقعة تحت النفوذ الاسباني والمنتمية جغرافيا إلى المغرب، ولحماية المستعمرات الاسبانية في شمال المغرب «سبتة ومليلية والجزر الجعفرية» من أية محاولة تحرير مغربية، تعتبر مجالا استراتيجيا لتطويق المغرب الأقصى الذي يمثل خنجرا في خاصرة اسبانيا، والذي كان عبر التاريخ يتبادل معها دور المستعمر والمستعمر، ومجالا اقتصاديا لتغذية الاقتصاد الاسباني بالمواد الخام الموجودة في الصحراء «الفوسفات»، وبالثروة الحيوانية البحرية المتوافرة بكثرة في شواطئها.

كما تعتبر «مسمار جحا» مدفونا في ظهر افريقيا والمغرب العربي يستفاد منه لكل غاية وهدف ضد المغرب، وضد الجزائر ودول المنطقة كافة، لذلك تلكأت اسبانيا كثيرا في حل هذه القضية، وترددت بين عدة تناقضات وعرفت خططها اضطرابا وتغيرا ملحوظين.

كانت استراتيجية اسبانيا في البداية تقوم على ضرورة الاحتفاظ بالصحراء وضمها إليها، وسعت إلى ذلك بأساليب ملتوية وخطوات حذرة، مخافة أن تفقد مصالحها الكبيرة لدى المغرب وحلفائه من الدول العربية الغنية، ولدى الجزائر والدول العربية التقدمية التي تعتبر الصحراء جزءا من الوطن العربي الكبير.

سارت اسبانيا بين هذه المأزق السياسي المتمثل في ضرورة المحافظة على مصالحها الاستراتيجية في الصحراء، وبين مصالحها لدى الدول العربية - يمينها ويسارها - بحذر شديد. ففي العام 1970 نظمت مؤتمرا يهدف شكليا إلى تقرير مصير الصحراويين مع الارتباط بالوطن «الأم - اسبانيا»، أعقبته في 31 يناير/ كانون الثاني 1971 انتخابات صحراوية لاختيار «مجلس الجماعة» - برلمان على الطريقة البدائية - وأعلن أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 100 في المئة وأن الصحراويين أكدوا بمشاركتهم تعلقهم بـ «الوطن الأم - اسبانيا»!

ثم بعد ذلك انتخب مجلس الجماعة ستة أعضاء ليكونوا نوابا في مجلس النواب الاسباني «الكورتيس» ثم وضع نظام إداري جديد للصحراء فرضت بمقتضاه السيطرة الاسبانية عليها. وفي أثناء ذلك حاولت اسبانيا استغلال التنافس الجزائري المغربي وخلافاتهما الحدودية، ففتحت مفاوضات اقتصادية وسياسية مع كل طرف على حدة، وحاولت استغلال القضية لابتزاز كل منهما وضرب الواحد بالآخر في سعي حثيث إلى تحضير أجواء خلق كيان صحراوي مستقل شكليا، ومرتبط باسبانيا عمليا، أعلن عنه في مذكرة اسبانية سنة 1973 سلمت لسفراء الحكومات المعنية، فقبلتها الجزائر ورفض المغرب تسلمها. وجاء في هذه المذكرة:

1- تأكيد حق الصحراويين في تقرير المصير.

2- للشعب الصحراوي وحده الحق في تقرير مصيره بكل حرية.

3- العلاقة بين الشعب الصحراوي واسبانيا مبنية على الإخاء.

4- اسبانيا تضع مسطرة عملية (أي بندا) تضمن بها حرية الاستفتاء لتقرير المصير.

5- السلطة العليا للشعب الصحراوي تظل مجسمة في رئيس الدولة الاسبانية، وتضمن اسبانيا وحدته الترابية، وتتولى التمثيل في الخارج نيابة عنه.

وفي السنة نفسها أعلن موافقة الجماعة الصحراوية بمذكرة قدمتها إلى الجنرال فرانكو. وبذلك توترت العلاقات المغربية الاسبانية، وأخذت العلاقات الاسبانية السعودية النهج نفسه. وكانت اسبانيا بين ثلاثة خيارات:

1- تكوين دولة صحراوية مستقلة ومرتبطة باسبانيا، وهذا يجعلها تصطدم بالمغرب وبالدول العربية المؤيدة له، وبالمعارضة المغربية بكل فصائلها، ما يؤثر على العلاقات الاسبانية العربية برمتها، وخصوصا على المستوى الاقتصادي، ويربك الملكية الاسبانية التي تهيئ نفسها لخلافة فرانكو في ذلك الوقت.

2- تسوية مساومة مع المغرب وموريتانيا، وهذا يجعلها تخسر علاقتها مع الجزائر وحلفائها.

3- توظيف القضية لتفجير المنطقة وشغل دولها بنفسها وحماية مستعمراتها في شمال المغرب، مع ما في هذا الخيار من مغامرة لا تناسب الوضع الداخلي الاسباني آنذاك.

وكان تنفيذ الخيار الثاني - تسوية المساومة مع المغرب وموريتانيا - بأسلوب ملغم كفيلا بتحقيق الاختيار الثالث «تفجير المنطقة».

وهكذا ربطت الخيوط مع أعداء الأمس - بوليساريو - وفتحت لهم ممثلية في اسبانيا وفسحت لهم مجال الانتشار العسكري في الصحراء، ما قوى عزيمتهم على الانفصال عن المغرب والارتباط باسبانيا. فأخذوا يدرسون الاسبانية في مدارسهم بتندوف تقربا لاسبانيا، ودفع بالجزائر إلى رفع قبضة التحدي في وجه المغرب.

ثم في الوقت نفسه أكدت نواياها بعدم الضم، وفتحت مفاوضات مع المغرب وموريتانيا، توجت - بعد ضغوط مغربية مكثفة بالمسيرة الخضراء، والتلويح بورقة سبتة ومليلية، وحكم محكمة العدل الدولية، وضغوط السعودية والخليج - بإعلان الانسحاب الإسباني من الصحراء واقتسامها بين المغرب وموريتانيا.

وبذلك صبت البنـزين على المنطقة ورمت فيها بشرارة سرعان ما اندلعت منها نار الحرب، وانشغل المغرب عن تحرير شماله «سبتة ومليلية والجزر الجعفرية»، وأعفيت الجزائر وحلفاؤها من ضرورة التحالف مع المغرب لتحرير أرضه في الشمال والجنوب، كما تفرض ذلك مقررات الجامعة العربية، وفسح المجال للبوليساريو.

آفاق المستقبل

تقف القضية الصحراوية حاليا عند نقطة حساسة جدا، اسبانيا كانت تقف متفرجة، وقد خرجت من المأزق، علاقاتها مع كل من المغرب والجزائر طيبة، مستعمراتها في شمال المغرب آمنة، لانشغال المغرب عنها بالقضية الصحراوية.

الصحراء - ميدانيا - بيد المغرب وقد فرض سياسة الأمر الواقع الذي لا يمكنه التزحزح عنه أمام شعبه وجيشه. والجزائر تعاني من أوضاعها الأمنية بدخول المد الإسلامي مرحلة العمل المسلح، وبتنامي تمرد الطوارق في جنوبها، وبإمكان تحالف الصحراويين - أو بعضهم على الأقل - إذا وصلوا مرحلة اليأس مع الإسلاميين والطوارق. و«البوليساريو» - قيادة - أخذ يتفتت بعوامل اليأس، وانحسار الدعم الأجنبي، ما بين مجموعات عادت إلى المغرب، ومجموعات خائفة يائسة تائهة. ومجموعة مازالت تقاوم التيار وتسير المعركة الدبلوماسية محاولة أن تكسب الوقت إلى حين تغير المعطيات السياسية في المنطقة والعالم لصالحها، والأمم المتحدة تسير ببطء شديد متكئة على عكاز محاولة مراجعة قوائم الذين يحق لهم المشاركة في الاستفتاء.

التحول السياسي في اسبانيا بزعامة ثاباتيرو الذي اتخذ من الوهلة الأولي لتوليه السلطة عقب فوز حزبه الساحق في الانتخابات العامة مواقف تقربه من الوطن العربي يعد مؤشرا عن وجود فرصة تاريخية نادرة لحل الصراع بشأن الصحراء الغربية. التحرك الاسباني يجب أن يتبعه تحرك من دول المغرب العربي يساعد في التوصل الى حل، وإلا ستبقي الصحراء الغربية مشكلة مزمنة تعطل تقدم واستقرار دول المغرب العربي

العدد 673 - الجمعة 09 يوليو 2004م الموافق 21 جمادى الأولى 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً