يبدو أن الإجراءات المتسارعة التي تتخذها الحكومة العراقية الجديدة للقضاء على الجماعات السرية المسلحة مازالت لم تعطِ ثمارها، فالساحة السياسية العراقية شهدت في الآونة الأخيرة ولادة المزيد من هذه الجماعات التي قامت بعمليات مختلفة في عدد من المناطق في بغداد والمدن العراقية الأخرى.
فقد أعلنت حركة جديدة تدعى «حركة الرد الإسلامية» مسئوليتها عن عدد من الأعمال المسلحة مدعية قتلها ثلاثة جنود من المارينز إضافة إلى تدمير بعض الآليات واغتيال مسئولين في أجهزة الدولة المختلفة.
وهذه الحركة لم تكن معروفة من قبل، ويبدو أنها تنشط في مناطق بعقوبة والخالص وأطراف بغداد، وقد أصدرت بيانا يتضمن بعض نشاطاتها المسلحة ضد قوات الاحتلال وقوات الدفاع المدني والمسئولين العراقيين.
وبالضد من توجهات الجماعات السرية المسلحة التي نشطت منذ عدة أشهر والتي تعتبرها الجهات الرسمية منظمات إرهابية تنسق مع أبومصعب الزرقاوي، أعلنت حركة جديدة أطلقت على نفسها «حركة الإنقاذ بأنها ستنتقم من أبومصعب الزرقاوي، وكل من يقدم له يد المساعدة، وانها ستقتل المتعاونيين مع الزرقاوي وعليه مغادرة البلاد، معتبرة بيانها هذا مثابة الإنذار الأخير للزرقاوي ومن ينسق معه، مهددة بأنها ستضرب بأيدٍ من حديد كل من تسوّل له نفسه قتل العراقيين الأبرياء أو محاولة اغتيال المسئولين في الدولة أو رجال الشرطة وقوات الدفاع المدني، وحذرت الزرقاوي من التمادي في ذلك، مدافعة عن رئيس الوزراء إياد علاوي، إذ حذرت الزرقاوي وجماعته من المساس به، وبالمسئولين الآخرين.
وقد أثارت هذه الجماعة استغراب الشارع العراقي لأنها تدافع عن الحكومة وقوات الاحتلال، ولكنها تمارس طريقة العمل السري المسلح، ما يلقي بالمزيد من الشك في أمر تشكيلها وإعلانها، إذ اعتبرها البعض عودة إلى أساليب صدام حسين حين شكل فرقا تابعة لمنظمة «حنين» السرية التي قامت بعمليات اغتيال ومطاردة للمعارضين منذ بداية السبعينات، وكان أحد أعضائها البارزين مدير الأمن العام فيما بعد ناظم كزار والذي قام بمؤامرة ضد البكر وصدام وقتل بعد هروبه.
سامراء تنحاز إلى جانب المقاومة
سامراء... المدينة التأريخية التي تحتضن تراث الحضارات العراقية الخمس منذ عصور التدوين وإلى العصر العباسي، إذ كانت في مرحلة من المراحل عاصمة الامبراطورية العباسية، هذه المدينة اتسمت بالوسطية، ولم يكن من يستطيع أن يجد في سياق الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية في سامراء شيئا من التطرف أو الغلو.
وسامراء التي تقع على بعد 120 كيلومترا شمال عاصمة الرشيد لعبت دورا كبيرا في تاريخ المنازعات بين وادي الرافدين ودول الجوار أو بين النزعات الاحتلالية والنزعات الوطنية، وكان أهلها يعتبرون أنفسهم ورثة تراث الهاشميين، وأحفاد المهدي صاحب الزمان والهادي وغيرهما من أئمة الشيعة، وإن كانوا ينتمون من حيث المذهب إلى أهل السنة.
وهنا تكمن واحدة من عناصر «الوسطية» في ثقافة وسلوك أهل «سُرَّ من رأى» (بحسب التسمية التي عُرفت بها سامراء في زمن العصر العباسي)، وكان «السوامرة» كما يسميهم أهل العراق معتدلين في كل شيء حتى في تعاملهم مع السلطات.
ولكن صدام حسين استطاع أن يخترق أهلها، فقرّب بعضهم ومنحه مراكز عالية بينما قتل الكثير منهم خلال الـ 35 سنة الماضية. بيد أن المرحلة الراهنة منعت «السوامرة» في موقف الاختيار الصعب، وخصوصا أن بعض مؤسسات الدولة السابقة كانت تعتمد على الكثير من كفاءاتهم، وقدراتهم وبالذات في قطاع التعليم والدبلوماسية، فقد كان «السوامرة» من اوائل فئات الشعب العراقي التي دخلت في سلك التعليم منذ القرن الماضي، بحكم قربها من بغداد، واعتماد أهلها على الاقتصاد الزراعي آنذاك، والذي وفر فرصا كثيرة لأهلها من أجل الاهتمام بالتعليم بعد وفرة المال.
اليوم، انحازت سامراء إلى جانب المقاومة، واختلطت عندهم مقاومة الاحتلال بالعودة إلى تمجيد صدام حسين ونسيان مئات الذين اغتالهم صدام من وجهائهم وشخصياتهم البارزة، ويبدو أن كراهية الاحتلال قد شوشت عليهم الصورة، ولكن فطنتهم وتراثهم الثقافي لابد أن يستيقظ عن قريب، وحينذاك سيفرزون بين شأنين، فالمقاومة ضد الاحتلال يجب ألا تكون مرتبطة بالدفاع عن صدام حسين وإلا فإن مبدأ «الوسطية» سيضمحل كليا ويتحول إلى شيء من قبيل «التطرف»
العدد 673 - الجمعة 09 يوليو 2004م الموافق 21 جمادى الأولى 1425هـ