بثت محطة التلفزيون الألماني الأولى (ARD) مساء الاثنين الماضي تقريرا عن حوادث غزة تحت عنوان «احتجاجات غاضبة في غزة ضد فساد السلطة الفلسطينية وللمرة الأولى ضد ياسر عرفات». وهذا نصه: سار الآلاف خلال عطلة نهاية الأسبوع في مظاهرات وهم يتهمون رئيسهم باستغلال نفوذه على مدى سنوات طويلة وإقامة نظام فاسد. حتى جماعات مسلحة مؤيدة له مثل «كتائب الأقصى» تمارس الضغط عليه من خلال قيامها بحملة خطف مسئولين في السلطة. أحد منتقدي عرفات يقول: في السنوات الأخيرة انتشر الفساد في صفوف القادة الفلسطينيين ونحن نحاول وقف الفساد.
يحدق الخطر بكل جانب بعرفات والآن من لندن أيضا إذ يعيش مسئول مالي سابق عمل لعرفات وبالقرب من منطقة هايد بارك تحدث إلى التلفزيون الألماني. جواد الغصين عمل 12 سنة كاملة في توظيف أموال باسم عرفات وحاول التصدي للفساد ولأنه سعى إلى ذلك وضعه عرفات تحت الإقامة الجبرية في منزله بمدينة غزة. سمح له بالسفر قبل عامين بعد صدور احتجاجات دولية. نهاية صداقة قديمة. يريد الغصين مقاضاة عرفات وقدم إلى التلفزيون الألماني اعترافات خطيرة. قال فيها: «يملك عرفات حسابات مصرفية في أنحاء العالم وكان يتأكد دائما من عدم معرفة أحد بها. وسعى إلى خلط الأمور بطريقة تجعل من الصعب على أحد التعرف على الوضع بصورة جازمة. هناك اثنا عشر صندوق مالي وكثير من كبار المسئولين في منظمة التحرير الفلسطينية الذين يشغلون مناصب رفيعة في السلطة حشوا جيوبهم بالمال وصاروا أصحاب ملايين وبعضهم حصلوا على ثراء فاحش».
في السابع من يونيو/ حزيران حصل التلفزيون الألماني (يعتقد أنها من الاستخبارات الإسرائيلية) على معلومات عن وجود شركات وهمية وحسابات سرية في أنحاء العالم تخضع لسيطرة عرفات بينها نصف مليار دولار جرى تحويلها خلال خمسة أعوام على حساب مصرف خاص في سويسرا و65 مليون دولار على حسابات مصرفية في انجلترا سرعان ما اختفت في أقنية سرية. يحتمل أن يكون بين هذه الأموال مبالغ قدمها الاتحاد الأوروبي إلى السلطة الفلسطينية وانتهت في جيوب صانعي القنابل على حد تعبير معد التقريرالذين يتزعمهم عرفات.
يقول عضو البرلمان الألماني أرمين لاخيلت من الاتحاد المسيحي الديمقراطي: «قرر وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي تقديم مساعدات مالية حين بلغهم أن السلطة الفلسطينية على وشك الانهيار. لكن حين نرى اليوم أدلة على انتشار الفساد وأن عرفات بنفسه متورط ينبغي إعادة التفكير بتقديم أموال جديدة إلى السلطة الفلسطينية ففي نهاية المطاف هذه أموال دافعي الضرائب الأوروبيين».
يستخدم عرفات أموال المساعدة الدولية أيضا للدفاع عن نفوذه. حصل التلفزيون الألماني على أدلة كثيرة تكشف أنه يدعم كتائب الأقصى. في إحدى الرسائل الموجهة إلى عرفات يطالبه مسئولون في «كتائب الأقصى» بصرف 80 ألف دولار لغرض تمويل صنع قنابل. كما جرى تقديم أموال لصنع أحزمة الذين نفذوا عمليات انتحارية ولدعم عائلاتهم. من الأمثلة الأخرى تفجير باص في 19 أغسطس/ آب 2003 في مدينة القدس راح بين ضحاياها أيضا فتاة أميركية كان عمرها عامين مزقتها القنبلة. ويريد الآن المحامي الأميركي غاري أوسين بتكليف من عائلات الضحايا رفع دعوى ضد «البنك العربي» والتهمة التي سيوجهها أن هذا المصرف قام بعمليات مالية عبر فرعه في مدينة غزة وقدم مبالغ نقدا إلى مسلحين فلسطينيين. يضيف المحامي الذي ينحدر من مدينة نيويورك: «نقطة الدعوى الرئيسية أن «البنك العربي» قام بتحويل أموال التبرعات من السعودية ودول خليجية أخرى على حسابات لحركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى ما يكشف أن هذا المصرف له صلة بتمويل العمليات الإرهابية في «إسرائيل» على حد تعبير المحامي اليهودي».
كما استغل الرئيس الفلسطيني خدمات «البنك العربي» الدولية وكون هذا المصرف له فروع في أرجاء العالم. لدى التلفزيون الألماني أدلة أن عرفات قام بتاريخ 30 أغسطس العام 2001 بفتح حساب شخصي في مصرف بمدينة القاهرة أودع فيه نحو خمسة ملايين دولار وهو الوحيد الذي يستطيع التصرف بهذا الحساب. يشير المحامي غاري أوسين: يجري العمل بالطريقة الآتية: يتم جمع التبرعات بالعملة المحلية في السعودية ويجري تحويلها على حساب «البنك العربي» إذ يتم استبدالها بالعملة الأميركية ثم تحول إلى فرع البنك في مدينة غزة إذ في المصرف حسابات باسم (الشهداء).
يراقب المسئول المالي السابق الغصين الذي هو أهم شاهد ضد عرفات هذه الحوادث بعناية شديدة وقال: يملك عرفات حسابات في أرجاء العالم وهو الشخص الوحيد الذي يعرف مكان وجودها. حتى اليوم يحمي قانون المصارف السويسري عرفات لأنه لا يجري عادة الكشف عن أصحاب الحسابات السرية المودعة في المصارف السويسرية. ويقول الغصين «إن عرفات أودع مبالغ طائلة في فرع «البنك العربي» في مدينة جنيف». وأضاف: كان رقم الحساب 1000 P وكنا كل شهر نعمل بتحويل مبالغ على هذا الحساب. وأمر عرفات بصرف 7 ملايين دولار لجيشه و750 ألف دولار لعائلات الشهداء.
ما تعرفه الاستخبارات الألمانية عن عرفات لم يكن له أهمية للمستشار شرودر في العام 2000 حين استقبل حامل جائزة نوبل للسلام ولا تهتم الحكومة الألمانية اليوم أيضا بالأطراف التي جمع عرفات التبرعات لصالحها ولا يختلف موقف المفوضية الأوروبية في هذا السياق. وهكذا قد يحارب الفلسطينيون مستعينين بأموال من أوروبا وحتى تنجلي القضية فإن الأموال الأوروبية التي تقدم لعرفات عرضة للمساءلة. وقال مسلح فلسطيني: بوسعنا أن نضرب في كل مكان في «إسرائيل».
منذ عطلة نهاية الأسبوع الماضي يتعين على عرفات نفسه أن يشعر بالقلق من مغبة أن يصبح مع نظامه الفاسد هدفا لكتائب الأقصى التي أسسها بنفسه
العدد 686 - الخميس 22 يوليو 2004م الموافق 04 جمادى الآخرة 1425هـ