بعد أن أمضوا عامين في التجربة البلدية، بدأ البلديون - كما كانوا في بداية التجربة - يتلمسون سبيل النجاح، فبين من يرى أن التجربة في الوقت الحاضر مفيدة بغض النظر عن نجاحها لتوافر عنصري المسئولية والمحاسبة للمجالس البلدية، هناك من يراها تجربة ناجحة، تنضج مع الوقت. وآخر يرى أنها حققت نجاحا كبيرا عبر مشاركة المواطن في إبداء رأيه بشأن المشروعات، ويعتبر ما أنجز حتى الآن يمثل خطوة كبيرة. كما نما إقرار بمسئولية مشتركة يتحملها المواطن والمجالس البلدية بشأن ضعف التجربة كون المشاركة الشعبية لاتزال دون المستوى المطلوب للتفاعل مع المشروع بخلاف دول أخرى يسهم المواطن في إنجاح تجربتها. ووسط ذلك كله هناك دعوة إلى فتح الأبواب «البلدية» إلى المواطنين. وذلك بعد أن برزت حاجة إلى مشاركة الناس عملياً، ليتفاعلوا مع المشروع أو يقوموا بدورهم كما يجب في إطار العمل البلدي المبني على المشاركة. إذ لا يصدر عنهم - بحسب أحد المشاركين في المنتدى - سوى الانتقاد، في حين هناك تمن لرؤية وجه آخر للمواطن المتخصص والمتطوع الذي لديه رؤية ومقترحات للتطوير والتنمية والاستثمار. كما أثير سؤال عما إذا كانت هناك ذهنية مركزية تسير واقعا لا مركزيا، وما إذا كان يحبذ نتيجة ذلك مجلسا بلديا واحداً أو خمسة، أم ان الخلل في التركيبة لا العدد.
وقد شارك في الحلقة الثانية من المنتدى المدير العام للإدارة العامة للخدمات البلدية المشتركة في وزارة شئون البلديات والزراعة جمعة الكعبي، المدير العام لبلدية المنطقة الشمالية محمد علي حسن، رئيس المجلس البلدي لبلدية المنطقة الوسطى إبراهيم حسين، نائب رئيس المجلس البلدي لبلدية المنطقة الجنوبية علي المهندي، عضو المجلس البلدي لبلدية المنامة محمد منصور، وعضو المجلس البلدي لبلدية المحرق حسين عيسى.
عموماً هل مازالت الأجواء غير مهيأة لنجاح التجربة البلدية بالمستوى المنشود وللحجج والمبررات ذاتها التي تتداول دائما كالافتقار إلى التشريع المناسب، الموازنات، الهياكل الإدارية، ضعف تجاوب الوزارات وغيرها؟
حسن: التجربة البلدية في الوقت الحاضر مفيدة بغض النظر عن نجاحها لأن فيها عنصر المسئولية والمحاسبة للمجالس. من جانب آخر لا نستطيع أن نقول انها ناجحة، ولمن أراد لها النجاح عليه الاهتمام بالفهم الواضح لقانون البلديات وذلك لكون أمور عدة لم تستوعب بعد نتيجة عدم التمعن في قراءة القانون. ويفترض مراجعة التجربة بعد عامين ثم بعد 4 اعوام لتحسينها، وعلى كل الأطراف المحافظة على العلاقة الحسنة والابتعاد عن رمي المسئوليات على الجهات الأخرى وتحميلها نتيجة الاستعجال، كما يجب تطوير الوعي الشعبي وتطوره للوصول إلى مستوى انتخابي أفضل مما هو موجود حاليا.
منصور: التجربة ناجحة، ومع استمرارها ستنضج أكثر وأكثر، والتجارب بطبيعتها تحتاج إلى أوقات طويلة.
الكعبي: التجربة حققت نجاحاً كبيراً عبر مشاركة المواطن في إبداء رأيه بشأن المشروعات، ويجب الأخذ في الاعتبار كون تجارب الدول الأخرى فيها أيضا نواقص، وما أنجز حتى الآن يمثل خطوة كبيرة. أما العوائق الخاصة بالتنسيق مع الجهات الخدمية الأخرى فسنسعى إلى تلافيها. فمن خلال ندوة أقيمت للبلديين أخيرا طرح مقترح بلجنة تشارك فيها الوزارات لتسهيل عمل المجالس، وأمامنا عمل جاد لنثبت نجاح التجربة بكل المعايير.
حسين: كان دور الانعقاد الأول لتشخيص طبيعة الدور والمهمات والمسئوليات والتنسيق مع الوزارات، وأتمنى في الدور الثالث تحقيق المزيد من الإنجازات، ومع كل ذلك لا أتوقع أن يكون مستوى الإنجاز كبيرا، فهو لايزال دون الطموح.
لايزال دون الطموح للحجج ذاتها، أم سنسمع في الدور الثالث الذي بدأ حديثا حججاً أخرى؟
حسين: المسألة ليست حججا، وخصوصا عندما نتحدث عن مشكلة الموازنة التي تعاني منها جميع المجالس وإثر ذلك أمر سمو رئيس الوزراء بالمنحة المالية لدعم المشروعات البلدية. نحن نحتاج إلى مشاركة الناس معنا عمليا، فهم لم يتفاعلوا أو يقوموا بدورهم كما يجب في إطار العمل البلدي المبني على المشاركة. إذ لا أرى سوى الانتقاد، في حين أتمنى رؤية وجه آخر للمواطن المتخصص المتطوع الذي لديه رؤية ومقترحات للتطوير والتنمية والاستثمار.
أو لا تتحمل المجالس ولو جزءاً من مسئولية قصور مشاركة المواطنين في المشروع البلدي وضعف تفاعلهم معه؟
عيسى: المجالس استطاعت أن توصل صوت المواطن إلى المسئولين، إذ تنقل إليهم همومه في مجالات عدة وهو مكسب كان مفقوداً سابقاً، وهي حالياً تضع الخطوط العريضة للعمل البلدي كونها مرحلة تأسيس ولذلك فمن المتوقع أن تتحقق المكاسب الحقيقية بعد الدورة الحالية بانتهاء السنوات الأربع. وفعلاً يمكن القول ان من أسباب ضعف التجربة البلدية عدم مشاركة المواطن فيها، بخلاف دول أخرى. وفي حال أردنا في العامين المقبلين الاستفادة من تجارب الآخرين فإن علينا فتح أبوابنا للمواطنين بشكل جماعي، وليس كل عضو في مجلسه، مع اختيار وقت مناسب للمواطن لا الأعضاء. فالمجالس تتحمل جزءاً من مسئولية إبعاد المواطن عن التجربة. كما أن الأجهزة الإعلامية مسئولة بدرجة غير قليلة إذ لا يبث التلفاز مثلا أيا من جلسات المجالس أو يسلط الأضواء عليها. من جهة أخرى يمكن للمجالس إشراك المواطن المتخصص في لجان المجلس الخاصة بشئون الإعلام والتخطيط وهذا ما سنسعى إليه في المحرق.
ليزداد عدد اللجان؟
عيسى: زيادة عدد اللجان المتخصصة، ليزداد العمل نضوجاً.
هل المجالس البلدية، وفق صلاحياتها الحالية، قادرة على الاضطلاع بإدارة المرافق المحلية؟
حسين: ذلك حق كفله لها القانون، كما منحها حق الاستعانة بالخبراء والمختصين. وأنا هنا أشبه المجالس بالملك الذي وإن كان لم يبلغ السن القانونية فإنه يظل الملك، أي حتى لو كانت المجالس لا تمتلك حاليا الخبرة الكافية والقدرات التخصصية المطلوبة فذلك لا يعني أن تسحب منها صلاحية إدارة المرافق.
من يسحب منها تلك الصلاحية؟
حسين: أنا أقول ان ذلك لا يمنع. من؟ هذا شي آخر. أنت سألت هل هي قادرة؟ أقول هي مهيأة لذلك، فبالتعاون مع المختصين والخبراء تستطيع أن تدير ويجب أن تبدأ في الإدارة.
في الآونة الأخيرة برزت قضايا فساد أو مخالفات إدارية - أيا تكن تسميتها - كما حدث في بلديتي الوسطى والمحرق من شأنها تعزيز الدور الرقابي للمجالس على الأجهزة التنفيذية، في حين قد توجد بلديات أخرى لم تكشف فيها مثل تلك القضايا. فهل سيشهد الدور الثالث تفعيلاً أكبر للدور الرقابي؟
حسين: القانون كفل للمجالس الدور الرقابي، في الوسطى شكلنا لجنة رقابة مالية وإدارية ليس بهدف الرصد بل التطوير والتحسين، ومثلت ثنائيا جيدا بين الجهاز التنفيذي والمجلس وذلك لا يعني انعدام الخلافات، ولكن توجد قواسم مشتركة نسعى إلى ترسيخها. ونحن نقف بحزم أمام المخالفات الإدارية وممتنين لتعاون الجهاز والأهالي في موضوع المخالفات والتجاوزات في إطار الشفافية وان كانت شعارا يحتاج إلى تفعيل لتحسين مستوى الأداء.
ماذا عما أشيع عن تورط أحد أعضاء مجلس الوسطى في إحدى تلك القضايا؟
حسين: القانون لا يقف عند أحد، ومتى ما ثبت عليه الموضوع فالقانون كفيل به. كما اننا سندرس نتائج التحقيق وسينظر فيها المجلس، ولا أستطيع الجزم حتى الآن بإدانة العضو. وإن ثبت التجاوز فهناك قانون ألتزم به لأن المجلس يؤكد صدقيته بالجوانب القانونية. وعلى الصعيد ذاته يجب التفرقة بين مخالفات تحسب على أفراد أو عموم، حتى لا نعمم على جهات كالوزارة كلها مثلاً. وهناك الكثير من الروادع والإجراءات الإدارية لردع المخالفين والمتجاوزين.
عيسى: المواطن له دور في هذا الجانب فهو أكثر التصاقا ومتابعة للجهاز التنفيذي وتصل اليه أخبار قد تحمل على الجدية أو التحامل. أدعو كل مواطن لديه دليل أن يرفعه إلى أعضاء البلدي لتعزيز دور الرقابة بدلا من الحديث من دون دليل وواقع القذف والتجني على الآخرين ومجرد نشر موضوع الفساد في البلديات. في المحرق اكتشفنا أن عددا من المواطنين يعانون من حاجز الخوف كون المتسلط في الجهاز أو الموظف قد ينتقم منه. ودورنا نحن الأعضاء منحهم تعهدا كون القانون فوق الجميع وخصوصا أننا نبحث عن دليل لا شخص. كما يجب هنا على الجهاز والمجلس أن يكونا في حال تواصل دائم وأتمنى عقد جلسات ودية بين المجلس وموظفي الجهاز لاكتشاف الأخطاء ودعم التجربة.
المهندي: ونحن بدورنا أيضا نطالب أي مواطن يتعامل مع الجهاز التنفيذي بإبلاغنا بأية تجاوزات تتعلق بالرشا أو قضايا أخرى.
حسن: الفساد ممكن الحدوث والنفس أمارة بالسوء. ولكن يجب أولا إثباته بالأدلة القانونية والإدارية ومواجهته من قبل الكل بما فيهم الجهاز والمدير العام. وأنا شخصيا لن أتردد إطلاقا في تحويل أي شخص يثبت فساده إلى الجهات القضائية والنيابة العامة، وبالنسبة إلى بلدية الشمالية فحتى الآن لم يتبين لنا وجود فساد.
وماذا عن تسخير بعض البلديين ممتلكات الوزارة أو البلدية لخدمتهم، والمحسوبية التي تدخل أحيانا في التوظيف؟
الكعبي: لا يحدث ذلك لدينا في الإدارة العامة للخدمات البلدية المشتركة.
عيسى: لا ننكر ذلك، فهناك استغلال من بعض رؤساء أو أعضاء المجالس في توظيف بعض ذويهم وهناك تجارب تم فيها توظيف من ليس أهلا للموقع. ولا بد من الالتفات إلى موضوع التوظيف في المجالس في المستقبل ليكون على أساس الكفاءة وليس المعرفة والقرابة والمحسوبية والمصلحة. فواقعا هذه جناية في حق الوطن، تجهض التجربة، ويجب فيمن يفعل ذلك خشية الله ويتقيه في نفسه. ويتذكر الحديث الشريف« كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته».
المهندي: إضافة إلى الإشكال القانوني بشأن تأجير سيارات لمديري الإدارات في البلدية.
حسين: مجلس الوسطى وافق على تأجير السيارات واعتبره استحقاقا لمديري الإدارات. فلا مشكلة لدينا كوننا نتمتع باستقلال مالي وإداري.
حسن: يجب التفرقة هنا بين سيارة للإدارة وأخرى للمدير والأولى يستخدمها في بعض الأحيان للإدارة.
بعد تجربة عامين من العمل البلدي، هل ترون الوضع البلدي سيكون أفضل بمجلس واحد أو عدة مجالس كما هو الواقع الحالي، مع الأخذ في الاعتبار الإرهاصات التي تشير في كل مرة إلى وجود ذهنية مركزية تسير واقع لا مركزي بسبب تشكيل اللجان وغيرها؟
حسين: المجلس الواحد أفضل من عدة مجالس، كوننا نحتاج إلى لجان وطنية مشتركة. أنا مع المجلس الواحد بشكل مباشر.
المهندي: أفضل خمسة مجالس تضم ستة أعضاء منتخبين وأربعة معينين من ذوي الخبرة والاختصاص.
عيسى: أنا مع تعدد المجالس ليكون كل منهم بلون وطيف آخر مع أهمية القدرة على تلمس الاحتياجات واختيار الأعضاء الأكثر قربا من هموم المواطن، على رغم أننا لا نلغي أهمية الاختصاص ويمكن تعويض ذلك عبر اللجان.
حسن: القضية لا تتعلق بمجلس أو عدة مجالس فالإشكال ليس في العدد بل في تركيبة المجالس التي قد يعاد النظر فيها. ربما أميل إلى الخمسة، وقد يستدعي الأمر أن يكونوا بين المعينين والمنتخبين لإثراء التجربة.
الكعبي: خمسة مجالس أفضل لتحقيق مشاركة أوسع ومنح فرصة أكبر للمشاركة الشعبية. والعام الثالث سيكشف للرأي العام نجاح التجربة.
أو ليس الاتجاه إلى تشكيل لجان موحدة ينحو تجاه المركزية، ويشير إلى صعوبة في التعاطي مع أكثر من مجلس؟
الكعبي: ليست هناك أية صعوبة في التعامل أو التنسيق مع المجالس.
منصور: مع التعدد، أي خمسة مجالس بهدف التنافس والتنوع والتلمس الأكبر للاحتياجات المحلية، مع ضرورة الأخذ في الاعتبار كفاءة وخبرة العضو.
وهل الكفاءة والخبرة تعرقل العمل حاليا، أو بمعنى آخر هل بينكم عناصر هشة؟
منصور: نحن لا ننزه أنفسنا، توجد بيننا عناصر هشة.
هناك دعوة سابقة إلى إلغاء وزارة شئون البلديات بدعوى أن وجودها يهيمن على المنتخبين ويعوق تقدمهم، وسبق أن أطلقها الناشط عبدالعزيز أبل، بعد مرور عامين كيف تقيمون الحاجة إلى بقائها أو إلغائها؟
الكعبي: دور الوزارة مهم جدا في التنسيق ودعم المجالس، هناك بعض القرارات تحتاج إلى جهة تكون وسيطاً بين المجالس ومجلس الوزراء. في البداية وجد إشكال لا سحب اختصاص. ويؤمل أن تشهد الأعوام المقبلة تنسيقا أكبر ويتأكد انتفاء تداخل الاختصاصات
العدد 738 - الأحد 12 سبتمبر 2004م الموافق 27 رجب 1425هـ