يتنامى تشجيع المؤسسات الاستشارية العاملة في الخليج لزبائنها باللجوء إلى ما أصبح متعارفاً عليه باسم إسناد المهمات للآخر (Outsourcing). وفي سعيها لتعزيز صحة تلك الدعوات التي تطبقها، تدعم تلك المؤسسات مقترحاتها بالأرقام والأمثلة التي تشير إلى تقليص نسبة المخاطرة، وتقصير دورة رأس المال، وارتفاع نسب العائد على الاستثمار... إلخ.
ويبدو أن ما تدعو إليه تلك المؤسسات الاستشارية يحمل الكثير من الصحة والواقعية، إذ تشير أرقام نشرتها مجموعة ينكي للدراسات والأبحاث (Yankee Group) إلى نمو وظائف الإسناد للغير، وتتوقع هذه المجموعة أن يصل حجم السوق العالمية للإسناد للغير إلى ما يربو على 80 مليار دولار بحلول العام 2008. وعلى نطاق العالم تتوقع دراسة نشرتها المجموعة ذاتها ان تعرف هذه الصناعة نمواً سنوياً مركباً يقارب من 12 في المئة بدءاً من العام 2004 وحتى العام 2008. وتؤكد الدراسة ان السوق الأميركية وحدها ستحتاج إلى ما نسبته 24 مليار دولار خلال العام 2004، وسيقفز الرقم إلى 42 مليار دولار بحلول العام 2008.
ولعله من المناسب هنا الإشارة إلى أن مفهوم تعبير إسناد المهام (Outsourcing) في الاقتصاد المعاصر أو الرقمي يختلف جذرياً عما كان متعارفاً عليه تقليدياً، والذي بدأ في الحقب الاستعمارية القديمة، والذي كان ينحصر في تصدير الصناعات ذات الربح المحدود او تلك التي تخالف النظم البيئية المعمول بها في الدول الصناعية المتقدمة، أو ذلك المفهوم الذي انطلق مع فورة إنتاج الصناعات السلعية في الولايات المتحدة في بداية القرن الماضي.
وعلى رغم تبلور صناعة الإسناد للغير ووصولها إلى مراحل نضج متقدمة، لكننا مازلنا نلمس بعض التباين في تعريفها. لكن ذلك التباين الذي تشهده التعريفات الحديثة للمفهوم المعاصر لتعبير الإسناد للغير نجدها بشكل أو بآخر تتمحور حول أداء وظيفي أساسي هو «إعطاء طرف ثالث تنفيذ مجموعة من الأعمال أو الخدمات التي كانت تدار من قبل المؤسسة المعنية. وإسناد المهام للطرف الثالث يشمل نوعين من الخدمات: الأولى هي اسناد مهام تقنيات المعلومات وهذا يعني قيام الطرف الثالث المتفق معه بالمشاركة جزئياً أو كلياً في إدارة تطبيق معين بما يشمل كل مهام أو المعدات أو البنية التحتية ذات العلاقة مثل: البرمجيات والخوادم والتشبيك على التوالي.أما الثانية فهي إسناد مهام إجراءات الأعمال (Business Processes) وهذا يعني تولي الطرف الثالث إدارة إجراءات الأعمال مثل المحاسبة والشراء والموارد البشرية».
ونحن لا نتحدث هنا عن الإسناد للآخر في البلد ذاته، على رغم أهمية مثل هذا النوع من الإسناد. إن المقصود هنا ذلك الإسناد الذي يتجاوز الحدود السياسية لبلد المؤسسة التي قامت بعملية الإسناد للآخر، وهو ما يجري حالياً بين شركات تطوير البرمجيات الأميركية والشركات الهندية أو الصينية على سبيل المثال لا الحصر.
الإطار العام
وقبل الغوص في إجراءت إسناد المهام للآخر أو الحديث عن أبرز البلدان التي أصبحت مشهورة في هذه الصناعة من الأهمية بمكان نرسم إطاراً عاماً لهذا المدخل في الاقتصاد الرقمي على أن يشمل ذلك الأمور الآتية:
1- الفوائد المحققة.
2- المخاطر المتوقعة وهذه تشمل:
أ. المخاطر الجغرافية.
ب. المخاطر المالية.
ج. المخاطرالعملياتية.
الفوائد المحققة
في عالم اليوم أصبحت سياسات إسناد المهام خياراً إدارياً استراتيجياً بدلاً من ان تكون إجراء محصوراً في تقليص النفقات. فهي تساعد الشركات على تحقيق أهداف أعمالها من خلال الكفاءة في أداء المهمات العملياتية من جهة، والحصول على موقع مميز في الأسواق المحلية بل وحتى العالمية من جهة ثانية.
وبات من المألوف أن نرى الكثير من الشركات وقد أسندت جزءا من أعمالها لطرف ثالث ما يتيح لها التركيز على لب الأعمال التي تمارسها ما يحقق لها التفوق على المنافسين لها في الأسواق المحلية أو العالمية. وهكذا أصبح تنامي قوة الإسناد للآخرين كأداة لتنفيذ أعمال فريدة ومتميزة على درجة عالية من المرونة أمراً لا يصبو إليه الشك.
لقد فرضت قوانين المنافسة العالمية على المؤسسات، وعلى وجه الخصوص الشركات العابرة للحدود، أن تركز على أعمالها الرئيسية من دون أن تنحرف عنها، وذلك من خلال تسخير مواردها الخاصة في أعمالها الأساسية، على أن تسند الوظائف التي ليست من صلب أعمالها لطرف ثالث. إن الإسناد لطرف ثالث يوفر للمؤسسة التي تمارسه أفضل مزاوجة بين الموارد البشرية والإجراءات والتكنولوجيا من أجل أفضل أداء ممكن في الأسواق العالمية من دون تبذير في الوقت أو الأموال. هذا يفسر هذا الإقبال المتزايد من لدن الشركات على إسناد بعض وظائفهم لأطراف أخرى خارج بلدانهم.
ويكمن الكثير من الدوافع وراء تزايد اهتمام المؤسسات بمبدأ الإسناد للآخر من بين أهمها:
- الاقتصاد في النفقات.
- رفع القدرات التقنية.
- التواؤم السريع والذكي مع تطورات الأسواق.
المخاطر المتوقعة
هذه الفوائد المميزة والملموسة لسياسة الإسناد للآخر، لا تخلو من المخاطر. والمخاطر كما هو معروف تترافق مع أية نشاط يمارسه الإنسان بما في ذلك النشاط الاقتصادي، وليس الإسناد لطرف ثالث حالاً استثنائياً في هذا المجال. لذلك فمن الطبيعي أن تتوقع المؤسسات التي تمارس سياسة الإسناد للآخر شيئاً من المخاطر عندما تنفذ مثل هذه السياسات. ومن المتعارف عليه أن لعناصر المخاطرة انعكاسات مباشرة على الأمور الآتية:
- الكلفة.
- المعنويات.
- الاستمرار في الأعمال.
لذلك فمن المستحسن حساب كل مكامن المخاطر قبل البدء في تنفيذ أي نوع من سياسات الإسناد للآخر. وحين يجري تحديد تلك المكامن ينبغي أن يتم تقييمها بعناية ودقة ووضع البرامج من أجل تلافيها أو الحد من احتمالات وقوعها.
ويمكن تصنيف أنواع المخاطر الناجمة عن الإسناد للآخر وفقا للفئات الآتية:
أ. المخاطر الجغرافية: وهذه تشمل أساسا الاستقرار السياسي والاقتصادي في البلد الذي سينفذ في مشروع الإسناد للآخر.
ب. المخاطر المالية: وهذه تشمل القوانين والأنظمة المعمول بها في ذلك البلد والتي توفر الحماية لأمور مثل حماية الملكية الفكرية، وتنظيم العلاقات المالية بين الأطراف الضالعة في المشروع.
ج. المخاطر العملياتية: وهذه تشمل أساساً سلامة البيئة الصناعية التي يتم تنفيذ المشروع عليها.
في نطاق هذا الإطار العام لمفهوم الإسناد للآخر وعلى أساس العائد من الفوائد المرجو تحقيقها من وراء هذه الصناعة على الطرفين الضالعين في العملية: المسند والمسند إليه، ينبغي فهم هذا التوسع الأفقي الجغرافي الذي تشهده هذه الصناعة من جهة، وذلك الاندفاع العمودي الذي تحظى به صناعات معينة من أبرزها صناعة تقنيات المعلومات من جهة ثانية. وهو ما توضحه دراسة حالات عينية مثل الهند والصين وبعض دول شرق أوروبا مثل التشيك وبولندا.
وهو بالقدر ذاته يفسر عدم تفوق بلدان عربية مثل مصر والمغرب والتي لديها - من الناحية النظرية - كل المقومات التي تهيؤها لتنمية صناعة الإسناد للآخر لكنها حتى الآن لم تنل سوى الفتات من هذه السوق العالمية الضخمة
العدد 745 - الأحد 19 سبتمبر 2004م الموافق 04 شعبان 1425هـ