تناولت الصحف العبرية، على نحو لافت خطوة إعادة انتشار الجيش السوري في لبنان التي اعتبرتها شكلية و«ليست مؤشرا على توجه إيجابي لدى دمشق». وأكدت بالإجماع أن «إسرائيل» تفضل الاستقرار اللبناني في ظل التأثير السوري أكثر من سيطرة «حزب الله» على لبنان والتدخل الإيراني. متحدثة في الوقت نفسه عن «مخاوف من فراغ لبنان».
وفي محاولة للتقليل من أهمية هذه الخطوة أبرز أحد المعلقين الإسرائيليين أن لبنان أكد لسان وزير خارجيته أن سورية ستبقى حتى خروج «إسرائيل» من جميع الأراضي العربية. مؤكدا أن دمشق تملك 15 إلى 20 ألف جندي في لبنان على رغم عمليات إعادة الانتشار السابقة التي أجرتها منذ العام 2001. وقد واصلت الصحف الإسرائيلية سياسة «الدس والتحريض» فأورد بالمناسبة أحد المواقع الإسرائيلية معلومات تفيد أن إيران تحاول أن تزود «حماس» بصاروخ «زلزال 2» عبر «حزب الله» الذي يخزنه في صيدا وزودته دمشق برؤوس كيماوية ريثما تسمح الظروف بتمريره إلى غزة عبر سيناء! فجل ما تطمح إليه كل من دمشق وطهران، هو أن يصبح قطاع غزة جنوب لبنان ثانياً في قلب «إسرائيل» كما تقول الرواية الصهيونية. وهكذا يطال «الغرم» جميع الأطراف بلا استثناء.
وعلقت «هآرتس» على عملية إعادة انتشار الجيش السوري في لبنان في افتتاحية تحت عنوان «سيطرة بطرق أخرى» فرأت أن الانطباع الأول الذي يتكون لدى كل من يسمع بخروج القوات السورية من بيروت، هو أن دمشق حزمت أمرها واتخذت قرارا بإنهاء وجودها العسكري في لبنان بشكل تدريجي. غير أنها أكدت أن هذا الانطباع سابق لأوانه لأن القرار السوري لا يذهب إلى هذا الحد كما أنه ليس مؤشرا على توجه إيجابي لدى دمشق. ولاحظت «هآرتس» أن القوات السورية متمركزة في لبنان منذ فبراير/ شباط من العام 1976 ولم تخرج منه على رغم التغيرات التي طرأت على الظروف المحلية والإقليمية. كما أن سورية استمرت على رغم ذلك بالتعامل مع لبنان على أنه مقاطعة سورية لأهداف سياسية وأمنية واقتصادية، على حد تعبير الصحيفة. وزعمت أن السوريين لا يريدون الخروج من لبنان لأن معظمهم وخصوصا المقربين من الطبقة الحاكمة يكسبون عيشهم من هذا البلد. ومن حيث موقف «إسرائيل» من الوجود السوري في لبنان فلفتت «هآرتس» إلى أن الدولة العبرية ترى منذ السبعينات ان هذا الوجود سيئ ولكنه أفضل من الفوضى طالما انه لا يشكل فرصة لمهاجمة «إسرائيل». غير أنها أشارت إلى أن القيادة الإسرائيلية ترغب اليوم في أن تكون الحكومة اللبنانية مستقلة وذلك من أجل نشر الجيش اللبناني على الحدود وإجبار «حزب الله» على أن يتحول من حركة مسلحة إلى حزب سياسي. إلا أنها استدركت بالقول إن «إسرائيل» تفضل الاستقرار اللبناني في ظل التأثير السوري أكثر من سيطرة «حزب الله» على لبنان والتدخل الإيراني. وبالعودة إلى خطوة إعادة الانتشار رأت «هآرتس» أن دمشق بالتأكيد تأثرت بالضغوط الدولية، لذلك فإن الرئيس السوري بشار الأسد يحاول أن يبدو وكأنه يرضي المجتمع الدولي حتى لو كان ذلك جزئيا وذلك على أمل أن تكتفي إدارة بوش بهذا القدر وأن تمتنع عن اتخاذ خطوات أخرى. وأضافت أن إعادة الانتشار لا تعني أن سورية تخلت عن سيطرتها على لبنان بل أنها تبحث عن وسائل أخرى خفية للاستمرار في إحكام هذه السيطرة.
وأشار زئيف شيف في «هآرتس» إلى سؤال شغل بال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية طوال سنوات، وهو يتعلق بموقف «إسرائيل» من الوجود السوري في لبنان. أي ما إذا كانت ترى أنه من الأفضل أن تنهي سورية «احتلالها» للبنان وتجعل هذا البلد أكثر استقلالا أو بقاء سورية من أجل الحفاظ على الاستقرار. واعتبر شيف، أن استمرار الجدل في «إسرائيل» حتى الآن بشأن الموقف من الوجود السوري في لبنان يعود إلى ظهور «حزب الله» والدعم الذي حصل عليه من سورية وإيران لنشر منظومة صواريخ في الجنوب. ورأى المعلق الإسرائيلي أنه من الواضح أن الحكومة اللبنانية غير قادرة على الحكم بشكل فعال وخصوصا في جنوب لبنان ولا يمكنها أن تتحكم بـ «حزب الله» أو بالوجود الإيراني هناك.
لذلك فإن المخاوف الإسرائيلية تكمن في أن يؤدي الانسحاب السوري من الأراضي اللبنانية إلى إحداث فراغ يقوم من وصفهم بالمتطرفين بملئه. أما من حيث رأيه بإعادة انتشار الجيش السوري فاعتبر شيف، ان «الاحتلال» السوري للبنان سيستمر من خلال بعض القوات المتمركزة في بعض المواقع. مشيرا إلى أن الفراغات التي أحدثها إخلاء بعض المواقع ستملأها الاستخبارات السورية التي لاتزال تتحكم بالقرارات الأكثر حيوية في لبنان على حد زعمه. وهذا كان واضحا في تصويت البرلمان اللبناني أخيراً على تعديل الدستور للتمديد للرئيس الحالي الذي يدعم الوجود السوري، إلى هنا يختم شيف مقاله.
وفي سياق متصل، بالتعبئة الإسرائيلية القائمة ضد سورية ولبنان وإيران على حد سواء مرورا بالمقاومات من «حزب الله» إلى «حماس» وسواها من الفصائل الفلسطينية وخصوصا تلك التي مقر إقامات قياداتها في دمشق، أوردت «دبكا فايل» (الإسرائيلية) من على موقعها على الإنترنت تقريرا عسكريا خاصا زعمت فيه أن السيطرة الإيرانية الكبيرة على حركة «حماس» تفتح الباب واسعا أمام دخول الصواريخ الإيرانية إلى قطاع غزة. وأوضحت أن إيران طورت صاروخ أرض أرض قصير المدى كان يستعمل أيام الاتحاد السوفياتي ويعرف باسم «فروغ 7 ئزدا7»، فجعلت منه صاروخا متطورا يحمل اسم «زلزال 2» يبلغ طوله نحو 8,3 امتار ويتراوح مداه بين مئة و400 كلم. مشيرة إلى انه على رغم أن إيران قد طورت مواد كيماوية وبيولوجية، فما هو مؤكد حتى الآن هو أنها لم تزود لبنان بمواد من هذا النوع على رغم أنها زودته بصواريخ زلزال 2 المخبأة جيدا، بحسب «دبكا فايل»، في مستودعات موجودة في مرفأ صيدا (في جنوب لبنان) بالقرب من المدينة المكتظة بالسكان ما يقلل من احتمال تدمير الصواريخ بغارة إسرائيلية ما. لكن «دبكا فايل»، نقلت عن مصادر استخبارية خاصة بها ان سورية طورت رؤوسا كيماوية يمكن استخدامها في الصاروخ الإيراني ويمكن أن يتم تركيبها في فترة قصيرة جدا لا تتعدى ساعات قليلة. وبعد أن لفتت إلى أن طهران تصدر أوامرها لـ «حماس» التي عرفت عنها بأنها «مجموعة إرهابية أصولية»، اعتبرت أن وصول صواريخ زلزال 2 إلى قطاع غزة هي مسألة وقت ليس إلا. ورأت «دبكا فايل»، انه من غير المستبعد أن يتم نقل الأسلحة الإيرانية الخطيرة إلى غزة ما أن ترى سورية وإيران ضرورة لذلك. وزعمت في هذا السياق أن «حزب الله» الذي شددت على انه مقرب جدا من إيران، يقوم حاليا بشحن صواريخ كاتيوشا وصواريخ إيرانية مختلفة عبر البحر المتوسط باتجاه شمال سيناء، ليتم «تهريبها» بعد ذلك إلى القطاع. ورأت «دبكا فايل» في نهاية المقال أن جل ما تطمح إليه كل من دمشق وطهران، هو أن يصبح قطاع غزة جنوب لبنان ثانياً في قلب «إسرائيل»
العدد 752 - الأحد 26 سبتمبر 2004م الموافق 11 شعبان 1425هـ