ها هو يدخل متكئاً على عكازه وبمساعدة أحد أقاربه... وصل ذلك الرجل كعادته عند حلول وقت الصلاة ليأتمَّ مثله مثل باقي سائر هؤلاء الناس ليؤدي الصلاة خلف سماحة الوالد السيد جواد الوداعي - ويرمي بجسده على ذلك الكرسي الخاص به عند العمود في جانب المسجد، وها هم - على عادتهم - بعض المصلين يتقاطرون عليه لالقاء التحية والسلام عليه!
هذا هو الروتين اليومي الذي يحدث عند حضوره للصلاة في المسجد.
تراهُ من يكون؟ ولما كل هذه الأهمية والإجلال والإكبار الذي يحيطه به الناس؟! أيمكن أن يكون أحد المسئولين في الدولة أو من كبار التجار... أو... أو...
لكن، لا يمكن أن يكون هذا ولا ذاك، فشكله العام لا يوحي بذلك أبداً، فهو بشكل عام ولأول وهلة تحس به رجل بسيط، وابتسامته لا تفارق محياه، وهذا خلاف ما تعودنا عليه من ذوي الصيت والسلطة والجاه.
تلك كانت أسئلتي التي كانت دائماً ما تتوارد في مخيلتي عندما أحضر صلاة الجماعة بإمامة سماحة الوالد السيد جواد الوداعي في جامع رأس الرّمان، وكثيراً ما كنت أسرح وأتعمّق وأتفحص في شخصية هذا الرجل لعلّي أتوصل لشيء وللأسف لم تكن لديَّ الجرأة في أن أسأل أحد المصلين بقربي عنه بسبب خجلي لعدم معرفتي به، إذ إنه - وكما هو واضح - معروف من الكل، لا سيما عندما تجده يبادر بالسلام على من يمر بجانبهم في بعض الأحيان.
وبقى هذا الرجل (اللغز) مجهولاً حتى ذلك اليوم (الجمعة 5 سبتمبر/ أيلول 2003)... عندما حل القضاء وأخذ الباري أمانته، عند ذلك حزنت لأجله، وتذكرت ذلك الاسم الذي هو أشهر من نار على علم، ذلك الاسم الذي لا يمكن أن تذهب لأي مكانٍ إلاَّ وتجد له حضوراً في مجال البذل والسخاء والعطاء. ولكن مازال الرجل غامضاً مبهماً لا أعرف شيئاً عنه سوى أنه رجل أعمال خير.
وتأتي الإجابة عن طريق تكليفي (تشريفي) بالعمل على انجاز كتاب خاص عن حياة هذا الرجل الخالد، والذي عبره فككت شفرات هذا اللغز الذي طالما حيّرني وأتعبني التفكير فيه وفي كنهه. عندها... وقفتُ أأفرح أم أبكي، أأفرح لمعرفة سر ذلك الرجل، أم أبكي لفقدي ذلك (الكنز)؟!.
أسفاً عليك يا حاج حسن... أسفاً أسفاً لي لعدم تشرّفي بمعرفتك عن قرب، أو للسلام عليك والتحدث إليك.
ولكن العزاء كل العزاء لي ولمحبيك يا حاج حسن، إنك غبت عنّا جسداً، ولكنك لن تغيب أبداً عنّا في قلوبنا وأذهاننا بأعمالك وعطاءاتك وبذلك العظيم في سبيل اللّه وخدمةً لأهل بيت نبي اللّه (ص).
فرحمك اللّه يوم ولدت ويوم مُتَّ ويوم تُبعثُ حياً وحشرك اللّه مع من كنت توالي وجعل مستقرك في أعلى عليين انه سميع مجيب الدعاء.
أحمد علي
العدد 766 - الأحد 10 أكتوبر 2004م الموافق 25 شعبان 1425هـ