القليل جداً من سيارات «تربانت» الألمانية الشرقية تسير في شوارع برلين الموحدة حالياً بعد مرور نحو 15 عاماً على سقوط جدار برلين، والسبب يتعلق قبل كل شيء باحتقار الغرب التاريخي لهذه السيارة الشعبية المتواضعة التي كانت تنتج في مصانع ألمانيا الشرقية إبان العهد الشيوعي المنقرض.
فالغربيون يسدون أنوفهم حينما تمر من قربهم هذه السيارة، لأنها بحسب اعتقادهم تلوث البيئة بما تتركه من ورائها من سموم بعد احتراق وقودها المكون من خلطة رخيصة تجمع بين «الأزوت» و«البنزين». ولكن يعتقد بعض الغربيين وخصوصاً «الاشتراكيين» و«التروتسكيين» و«الماويين» وبشكل عام اليساريين، بأن سبب الاحتقار ليس متعلقاً بتلويث البيئة، فهناك سيارات غريبة الصنع هي الأخرى تلوث البيئة، ولكنها لم تتعرض لأي تشنيع كما تتعرض له سيارات الـ «تربانت»، لذلك فإن السبب الخفي حتى سقوط النظام السابق كان سبباً سياسياً، أما الآن فقد تغيرت الأحوال، وصار الكثير من الغربيين يتعاطفون مع هذه السيارة «الوديعة»، التي يمثلها البعض بأنها كالحمار كناية لما تقوم به من جهد وعمل غير مكلف ولا تحتاج إلى المزيد من العقود أو الإدامة.
وفي أثناء الاحتفالات الأخيرة بمرور ذكرى ثورة الطلاب على العهد السابق في ألمانيا الشرقية، أعيد الاعتبار إلى سيارة «تربانت» وشهدت بعض الساحات تكريماً لها، وقد شارك المستشار الألماني شرودر في إحداها، إذ احتضن مع ابتسامة عريضة إحدى هذه السيارات وسط جمع غفير من الألمان الشرقيين. لقد نقلت آلاف السيارات في أواخر يوليو/ تموز 1989 نحو سبعة آلاف هارب من ألمانيا إلى بودابست وبراغ، وقام هؤلاء الهاربون باحتلال سفارات ألمانيا الغربية طالبين اللجوء السياسي، وتركوا سياراتهم في شوارع وأزقة المدينتين، واستجابت حكومة ألمانيا الشرقية لمطالبهم ونقلتهم بواسطة القطارات إلى برلين الغربية عبر أراضي ألمانيا الشرقية، وبقيت سيارات الـ «تربانت» التي قدموا بها جاثمة في مكانها، ما تسبب ذلك في إثارة مشكلة بين الحكومات لمعالجة الموقف، واتُّخذ قرار بعد سقوط جدار برلين بنقل هذه السيارات إلى الجزء الشرقي من ألمانيا، وحين توحدت ألمانيا عاد أصحابها إلى المطالبة بها، ومنهم من يحتفظ بها إلى اليوم، وأصبحت جزءاً من تاريخه الشخصي ويعتز بها وإن لم يعد يستخدمها كما في السابق
العدد 770 - الخميس 14 أكتوبر 2004م الموافق 29 شعبان 1425هـ