العدد 785 - الجمعة 29 أكتوبر 2004م الموافق 15 رمضان 1425هـ

ميلاد في بيت الرسالة...

السماء تتنفس بأريج قدسي له رائحة الجنة... والأرض تفتح ذراعيها لتحتضن ذلك المولود المبارك في لحظات النور... والحور العين في فرح ملائكي تتبادل التهاني... الجنة تشهد صعوداً وهبوطاً في اجواء نورانية من ملائكة الرحمة التي نشرت اجنحتها تسبيحاً وتهليلاً... وها هو شهر الكرامة والرضوان اعلن عرساً بهياً كرامة لتلك الساعة المباركة.

كان الموعد هو الخامس عشر من شهر رمضان... وكانت السنة هي الثالثة للهجرة... ويومها كان «الجد» مغموماً بعض الشيء لما واجه من حرب قذرة تمثلت في شائعات باطلة في اوساط الرأي العام القرشي والمكي... « انه أبتر لا عقب له ولا خلف». ما ترك في نفسه شيئاً من الحزن والتأثر... ولكن شاءت القدرة الربانية ان تدحض هذه الاكاذيب وتنهي تلك الحرب الشعواء التي أقلقت «الجد»...فجاء له الأمر السماوي مدويّاً يسحق تلك الأباطيل: «إنا أعطيناك الكوثر، فصلي لربك وانحر، ان شانئك هو الأبتر»...

ولاحت علامات البشرى على وجهه أكثر عندما جاءت أسماء بنت عميس بذلك المولود الجديد، وقد لف في خرقة، فقدمته الى جده... استقبله والأسارير ترسم لون السعادة على ملامح وجهه... انها لحظة النصر على تلك الحرب الظالمة.

أخذ ابنه برفق، وضمه اليه وراح يلثمه بعطفه وحنانه. ثم بدأ يقطر في أذنيه كلمات الإيمان ويعصر على قلبه آيات التسبيح والتهليل... كان غذاؤه الاول: الله اكبر... الله اكبر، اشهد أن لا إله إلا الله. أذّن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى لتكون لحظة البدء في مرحلة التربية النبوية في ذلك البيت الطاهر. علي: ماذا سنسمي المولود؟ فاطمة: ما كنت لأسبقك. علي: وما كنت لأسبق رسول الله (ص). الرسول(ص): وما كنت لأسبق ربي. ينزل جبرئيل في لحظة ملائكية: الجليل يقرؤك السلام، ويقول لك أسْمِهِ (حسن)...

علاقة حميمة بين الجد والحفيد

كانت علاقة الرسول (ص) مع ابنه الحسن (ع) تفوق حدود العلاقة العائلية. ولم تكن مجرد عاطفة الأبوة بقدر ما كانت تربطهما أواصر الحب الإلهي. فحب النبي الأكرم لابنه كان متوجاً بحب الله له. لذلك نجد ان هذا الإنشداد الوثيق بينهما متجسداً في مواقف كثيرة واقوال عدة. منها ما رواه البراء بن عازب انه « قال رسول الله (ص) للحسن بن علي (ع) : اللهم إني أحبه وأحب من يحبه».(ترجمة ابن عساكر، صحيح البخاري وسنن الترمذي).

وبدأ ريحانة الرسول يتشرب من خصال جده... ويتزود من نميره العذب مواعظ الرسالة وآيات الرحمة، حتى نشأ وترعرع فغدا قرآناً متحركاً في فكره وفي اخلاقه ومواقفه التي سجلها له التاريخ.

كريم أهل البيت (ع)

ما كان يميز الامام المجتبى هو كرمه اللامتناهي وعطفه على الفقراء... سألوه: لأي شيء لا نراك ترد سائلاً؟فأجاب: إني سائل فيه وراغب، وأنا استحي ان اكون سائلاً وأرد سائلاً، وان الله عودني عادة ان يفيض نعمه عليّ، وعودته ان أفيض نعمه على الناس. فأخشى إن قطعت العادة ان يمنعني العادة. ثم انشأ يقول:

إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً

بمن فضله فرض عليّ معجلُ

ومن فضله فضل على كلّ فاضل

وأفضل ايام الفتى حين يُسألُ

هكذا تعامل الامام مع الفقراء برحابة الرسول وبسعة صدره. كما كان للقناعة مجال كبير في هذه الشخصية الفذّة التي أراد من خلالها ان يربي الأجيال على الرضا بما يقسم الله للعبد من قوت يومه، وكيف يعيش الانسان الغنى والقناعة في الوقت ذاته من دون ان يبطر او يظلم فقيراً... فهو يقول في أبيات شعر له:

لكسرة من خسيس الخبز تشبعني

وشربة من قراح الماء تكفيني

وطمرة من رقيق الثوب تسترني

حيّاً وان متّ تكفيني لتكفيني

الإمام الحسن... القائد والتاريخ

تلك بعض الملامح البسيطة التي مررنا عليها في حياة هذا الطود العظيم في ذكرى ميلاده المباركة. وهي لا تعدو كونها غيضاً من فيض، يحتاج بعدها المرء الى ان يتوغل اكثر في عمق تلك الشخصية التي ظُلمت في حياتها ومماتها.

وأفضل ما قرأت عن حياة الامام كتاب « الامام الحسن... القائد والتاريخ» لمؤلفه فؤاد الأحمد. وهو كتاب قيّم يفصل المراحل التاريخية التي مر فيها الامام بأصعب الظروف وأقساها مما لم يعانيه مثله من الأئمة والدعاة على مر العصور. أترك عزيزي القارئ ليبحث ويقرأ أكثر سعياً للاستنارة بهدي مولود بيت الرسالة المحمدية

العدد 785 - الجمعة 29 أكتوبر 2004م الموافق 15 رمضان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً