على رغم أنه لم يتبق سوى خمسة أسابيع على موعد الانتخابات في العراق، ومع أن رئيس الوزراء إياد علاوي مُصرٌ على الالتزام بإجرائها في موعدها المحدد، ومع أن الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية مصرتان على إجرائها في 30 يناير/ كانون الثاني، فإن جهود كبيرة تبذل على المستوى السياسي داخل العراق وعلى المستوى الإقليمي من أجل تأجيلها ربما ليس لستة أشهر وإنما لثلاثة أشهر.
وكشفت مصادر سياسية عراقية لـ «الوسط» أن وساطات سياسية يقودها الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني مع القادة السياسيين الشيعة لتخفيف موقفهم من مسألة تأجيلها لمدة ثلاثة أشهر لتوسيع المشاركة السياسية ولاسيما من جانب قوى تعارض إجراءها في 30 يناير، وأعلنت مقاطعتها لها.
وأكد رئيس تجمع الديمقراطيين المستقلين عدنان الباجه جي أخيراً استمراره في السعي لإرجاء موعد الانتخابات العامة إفساحاً لمجال تأمين مشاركة أكبر للعراقيين في صوغ دستور البلاد على رغم عزمه المشاركة فيها. وذكرت مصادر سياسية انها فعلاً تلقت اتصالات سياسية من قوى وشخصيات سياسية تطالب بتأجيل الانتخابات لمدة ثلاثة أشهر، إلا أنها لا ترى مبرراً لهذا التأجيل، بل انها ترى العكس إذ إن التأجيل سيضر بالوضع الأمني أكثر لأنه سيعطي دفعة قوية للإرهابيين والجماعات المسلحة بزعم نجاحهم في تأجيل الانتخابات.
وأضافت المصادر «وبهذا المعنى فإن تأجيل الانتخابات سيمنح القوى المناهضة للعملية السياسية وللصداميين وأيتام النظام السابق نصراً مجانياً». وتساءلت المصادر ذاتها «ما هي الضمانات بألا يجري تأجيل الانتخابات بعد ثلاثة أشهر، وما هي الضمانات بتحسن الوضع الأمني والحال السياسي». وأوضحت «منذ سنة نادينا بإجراء الانتخابات، وردت سلطة التحالف بأنه لا يمكن القيام بها من دون إحصاء سكاني، وقلنا بإمكان اعتماد البطاقات التموينية من أجل وضع البيانات الخاصة بسجل الناخبين... وقيل آنذاك ان الإحصاء السكاني ضروري وان بيانات البطاقة التموينية لا يمكن الاعتماد عليها في تدوين سجل الناخبين، والآن بعد مضي سنة ألغت الحكومة ومعها الأمم المتحدة الإحصاء السكاني بزعم أن الوضع الأمني لا يتيح إمكان إجراء هذا الإحصاء واعتمدوا على بيانات البطاقة التموينية في تدوين سجل الناخبين، والآن يجري الحديث عن تأجيل الانتخابات، والغريب في الأمر أن المنادين بمقاطعة الانتخابات وتأجيلها هم أنفسهم أو بعضهم على الأقل من يقولون ان الحكومة المؤقتة غير شرعية لأنها معينة من قبل سلطة الاحتلال، وعندما نطالب بإجراء الانتخابات لاختيار حكومة شرعية تتشكل عبر نتائج صناديق الاقتراع يطالبون بتأجيلها». في حين أكدت مصادر عربية «أن واشنطن ولندن تتعرضان لضغوط من أجل تأجيل الانتخابات لستة أشهر، ولكن الرئيس بوش ورئيس الحكومة البريطانية بلير لا يسعهما فعل ذلك، لأنهما يعتقدان أنهما إن قاما بذلك، وكأنهما اعترفا بهزيمة قواتهما في العراق واعترفا بانتصار الزرقاوي والجماعات المتشددة». وأوضحت المصادر «أن واشنطن ولندن يريدان أن تكون الانتخابات الخطوة الأولى في استراتيجية خروج لقواتهما من العراق ولو على مراحل». ولكن مصادر سياسية عراقية أعربت عن أملها في حدوث تطور خلال الأيام القليلة المقبلة لجهة تأجيل الانتخابات. وعقد مؤتمر في تكريت مسقط رأس الرئيس المخلوع صدام حسين واختتمت أعماله أمس الأول، وحضره ممثلون عن القبائل والتنظيمات السياسية في محافظات صلاح الدين وكركوك وبغداد والانبار وديالى وبابل والجبهة التركمانية التي مقرها كركوك وممثل عن هيئة علماء المسلمين ودائرة الوقف السني. وطلب المؤتمر من المفوضية العليا للانتخابات تأجيل الانتخابات مدة ستة أشهر، وتساءل ممثل الفلوجة في المؤتمر عيسى علي عمن سيتم انتخابه، هل هم ممثلو الأحزاب الطائفية أم أعضاء الحكومة المؤقتة الذين يسافرون إلى طهران للتخطيط لمستقبل العراق، بينما لا يكلفون أنفسهم عناء السفر لمسافة 50 كيلومترا وهي المسافة بين الفلوجة وبغداد كي يتعرفوا على أحوال السكان البائسة. وقال المؤتمر إن المجتمعين سيعقدون اجتماعا ثانيا نهاية الأسبوع الجاري للنظر في رد المفوضية على طلبهم، وهدد أعضاء المؤتمر باتخاذ قرار حاسم في حال رفض المفوضية العليا للانتخابات تأجيلها يقوم على أساس مقاطعتها والدعوة إلى عدم الاشتراك فيها كل حسب منطقته. من جانبها أكدت مصادر المفوضية العليا للانتخابات أنها «لم تتلق طلب تأجيل الانتخابات؛ كما أنها ليست الجهة التي بإمكانها أن تؤجل الانتخابات فهي جهة تنفيذية وليس من حقها أن ترجئ الانتخابات أو تؤجلها». وفي تطور يصب في خانة المطالبين بتأجيل الانتخابات قال مسئولون من الأمم المتحدة إن المراقبين الدوليين الذين سيراقبون الانتخابات سيتخذون من الأردن وليس العراق مقراً لهم، بسبب المخاوف الأمنية، وان عدداً محدوداً من المراقبين الدوليين سيتوجه فعلاً إلى العراق. وتعالت دعوات ضرورة إجراء المصالحة الوطنية قبل إجراء الانتخابات العامة، وتنشط حركة الوفاق الوطني التي يتزعمها رئيس الوزراء في هذا الاتجاه لتحقيق مشاركة أوسع في الانتخابات العامة. وبدأ أمس الأول في إطار هذا التوجه اجتماع في عمّان بحضور 80 شخصية عراقية لبحث أسس المصالحة الوطنية. وشارك فيه قضاة وسياسيون وأساتذة جامعات ورؤساء عشائر ومحامون من مختلف اتجاهات الشعب العراقي، ويبحث على مدى ثلاثة أيام سبل تحقيق هذه المصالحة ومتطلباتها وإمكانات إنجازها بين أعضاء حزب البعث العراقي المنحل ممن لم يرتكبوا جرائم ضد العراقيين، وبقية القوى المنخرطة في العملية السياسية الجارية في العراق.
وذكرت مصادر عراقية أن مؤتمر عمان سيكون على شكل ورشة عمل سيتوصل إلى توصيات عدة بشأن أسس هذه المصالحة ليطرحها على جميع القوى السياسية في البلاد للشروع في تنفيذها، وخصوصاً أن الغالبية العظمى من البعثيين انخرطوا في الحزب لتيسير شئونهم الحياتية والوظيفية ولم يكونوا من المؤيدين لممارسات النظام السابق. وكان علاوي اجتمع في الأردن أخيراً مع عدد من الشخصيات العراقية المقيمة في الخارج لبحث مشاركتها في الانتخابات المقبلة والانخراط في العملية السياسية، كما اتخذت الحكومة قراراً بإعادة عدد كبير من الذين شملهم قرار اجتثاث البعثيين الذي لقي معارضة من علاوي نفسه. وفي خطوة من شأنها أن تخفف من الاحتقان السياسي والأمني في العراق وتشيع أجواء ايجابية لمناخ المصالحة الوطنية دعت وزارة الدفاع العراقية جميع ضباط ومراتب الجيش العراقي السابق المنحل إلى الالتحاق مجدداً بالجيش العراقي الجديد. وأفاد بيان لوزارة الدفاع العراقية نشر أمس الأول: «ان إعادة منتسبي الجيش العراقي سيتم وفق برنامج يهدف إلى تشكيل جيش جديد قوي وقادر على حماية العراق ومكتسباته وشعبه». وجاء في البيان: «ان دائرة التدريب في الجيش تدعو جميع الضباط وضباط الصف من منتسبي الكليتين العسكريتين الأولى والثانية ومعهد الدروع ومدرسة المشاة إلى مراجعتها اعتبارا من الخميس الماضي». وأوضح ناطق باسم وزارة الدفاع أن الدفعة الأولى ستقتصر على الضباط كرتبة نقيب فما دون على أن تتبعها دفعات أخرى تضم رتباً أعلى في الجيش السابق. وكان وزير الدفاع العراقي حازم الشعلان انتقد بشدة قرار حل الجيش العراقي السابق واعتبر هذا القرار قراراً خاطئاً ينبغي تصحيحه
العدد 842 - السبت 25 ديسمبر 2004م الموافق 13 ذي القعدة 1425هـ