العدد 2851 - السبت 26 يونيو 2010م الموافق 13 رجب 1431هـ

الإسلام الجديد وعلمنة الكمالية: رقصة تانغو جديدة على ساحة معركة تركيا القديمة

نشرت الـ «وول ستريت جورنال» قبل بضعة أسابيع مقالة ذات عنوان ملفت للنظر: «الإثارة في حرب تركيا الأهلية غير الدموية»، مشيرة إلى جو الحرب الباردة المستمرة بين حزب تركيا الحاكم والذي يميل إلى الإسلام، وهو حزب العدالة والتنمية، ونخب الدولة العتيقة التي تدعو إلى العلمنة، والذين يصفون أنفسهم بـ «الكماليين» ويسعون للحفاظ على الدين والسياسة منفصلين بشكل كامل. إلا أن تلك هي آخر «المعارك» في «الحرب الباردة» بين الإسلام السياسي والعلمنة التركية والتي بدأت قبل نحو مائة سنة.

يشكل فهم تاريخ الجانبين وعلاقتهما ببعضهما مفتاح حل عقدة حرب تركيا الباردة حتى يتسنى للدولة أن تصنع السلام مع نفسها.

بدأ الأمر العام 1923 عندما خرجت الجمهورية التركية من رماد الدولة العثمانية. أطلق مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة فوراً «ثورته الثقافية». كان يؤمن أنه لا يوجد للإسلام مكان في قضايا الدولة، فبدأ حملة لجعل الدين يتنازل لصالح الدولة، فقام بإلغاء الخلافة وأغلق جميع المدارس والطوائف والمؤسسات الدينية واستبدل القانون الإسلامي بالقانون المدني السويسري والقانون التجاري الألماني والقانون الجزائي الإيطالي، واستبدل الحروف العربية باللاتينية، وأدخل التعليم الإجباري وحق التصويت للمرأة ومنع عرض الرموز الدينية في المؤسسات العامة.

إلا أن ثورة أتاتورك الثقافية كانت «ثورة من الأعلى»، ولم تصل إلى قلوب الغالبية وعقولهم.

وقع الاحتكاك الرئيسي الأول بين الإسلام السياسي والعلمنة التركية في ذروة حادثة مينيمين العام 1930 عندما حرّضت مجموعة صوفية على التمرد. تم قمع التمرد وقتل القائمين عليه في نهاية المطاف أو سجنهم من

قبل الجيش التركي.

بعد موت أتاتورك العام 1938، وأول انتخابات متعددة الأحزاب العام 1950 شن عدنان مندريس، الزعيم السياسي الذي سرعان ما أصبح رئيساً للوزراء، وحزبه الديمقراطي حملة انتخابية وفازوا على أساس برنامج إعادة الإسلام إلى الحياة العامة من خلال جعل اللغة العربية شرعية ورفع المنع عن آذان الصلاة. إلا أن الجيش التركي قام بانقلاب عسكري العام 1960 مدعياً حمايته للعلمنة الكمالية واعتقل مندريس بتهمة انتهاك الدستور.

عاد الإسلام السياسي إلى الاختفاء مرة أخرى ليعود للظهور بانتخاب رئيس الوزراء السابق نجم الدين أربكان وحزب الرفاه العام 1996. قام أربكان بتسييس قضية الحجاب للمرة الأولى وشجع كذلك على تعاون أقرب مع الدول ذات الغالبية الإسلامية. إلا أن حزب الرفاه أُسقط كذلك على يد الجيش العام 1997 وتم حظره في العام التالي.

رغم هذا الحظر، أوجد الجناح الإصلاحي لحزب الرفاه العام 2001 ما أصبح أعظم نجاح للإسلام السياسي في تركيا حتى اليوم. فاز حزب رئيس الوزراء الحالي رجب طيب أردوغان، حزب العدالة والتنمية بغالبية الأصوات العام 2002 في الانتخابات العامة وهو يحكم الدولة منذ ذلك الحين.

أتى حزب العدالة والتنمية بتركيا إلى عتبة الاتحاد الأوروبي وعمل على تسييس الدين من خلال قضيته الرئيسية وهي الحجاب، وشجع ضمنياً التحول المحافظ للمجتمع التركي من خلال طروحاته وسياساته على أعلى المستويات، والتي تترجم على شكل «ضغوطات في الجوار» ليصبح أكثر تديناً على مستوى الجذور.

وبعد مرور ثماني سنوات أصبح المجتمع التركي أكثر استقطاباً، فهناك كفاح مستمر من جانب الحكومة وأنصارها للسيطرة على الإعلام والشرطة والهيئة الفضائية لإخراجها من قبضة الكمالية، رغم أن حصته كبيرة من إعلام تركيا، بما فيها صحيفة «زمان» التي أصبحت كما يقال مناصرة للحكومة.

في الوقت نفسه لا يسع المرء إلا أن يلاحظ التحول في سياسة تركيا الخارجية التي تركّز على ما يسمى العالم المسلم، مبعدة نفسها عن حلفائها الغربيين التقليديين.

ولكن حتى يتسنى للتقدم الحقيقي المستدام أن يستمر، يتوجب على تركيا أن تتعامل مع حربها الباردة الداخلية دون استقطاب الجانبين كرابحين وخاسرين. ففي نهاية المطاف، يحتاج الأمر لطرفين لرقص التانغو. يتوجب على نخب العلمنة أن تتقبل المسرح الديني التركي المميز وحساسياته، ويتوجب على الناشطين السياسيين الإسلاميين أن يدركوا أن الكثيرين يؤمنون أن الإسلام دين وليس أسلوباً لإدارة الدولة، وأنه بالتالي يجب أن يبقى في المجال الخاص.

يبدو الاتحاد الأوروبي وشروط كوبنهاغن للتأهل لدخوله، والتي تضم احترام الديمقراطية وحكم القانون وحقوق الإنسان والأقليات واقتصاد سوق عامل، كأفضل طريقة لضمان أن يلتقي عالما تركيا أخيراً حتى يتسنى للدولة صنع السلام مع نفسها، من خلال إطار اجتماعي سياسي يستطيع الطرفان الوصول إلى حل وسط من خلاله.

وحتى يتسنى تحقيق ذلك يحتاج الاتحاد الأوروبي لأن يلعب دور صانع سلام رئيسي، مما يضم الكثير من المسئولية. أوروبا هي الأوركسترا التي تعزف ذلك التانغو، وحتى يتسنى للرقصة أن تستمر، يجب أن تستمر الموسيقى في العزف

العدد 2851 - السبت 26 يونيو 2010م الموافق 13 رجب 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً