«الولايات المتحدة تريد أن تتبوأ إيران المكانة التي تستحقها في المجتمع الدولي، وهذه المكانة يمكن التوصل إليها من خلال حوارات سلمية تظهر العظمة الحقيقية للشعب الإيراني وحضارته».
الرئيس الأميركي باراك أوباما
قد لا يختلف اثنان على أن غصن الزيتون الذي رفعه الرئيس الأميركي باراك أوباما في وجه طهران، والغزل الأميركي عالي المستوى والمتكرر لإيران التي طالما صنفتها الولايات المتحدة ضمن «محور الشر» لم يأت اعتباطا.
ويرى الكثير من الساسة والمحللين في المنطقة وخارجها أن العرض الأميركي -إن لم نقل السياسة الأميركية- الجديدة تجاه طهران تنبع من حاجة أميركية أولا أكثر منها إطارا أخلاقيا مفاجئا.
الولايات المتحدة الأميركية أدركت -وخصوصا في عهد الإدارة الديمقراطية الجديدة- أن طهران باتت تملك مفتاح الحل في غالبية الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تشكل أرقا دائما ومتصاعدا لواشنطن.
فالعراق الذي تمر عليه الذكرى السادسة للاحتلال الأميركي لا يبدو أنه أصبح يجسد الطموح الأميركي من الغزو، فالأميركيون -وخصوصا مراكز البحوث والدراسات الكبرى- أعلنوا من دون تردد أن إيران أصبحت لاعبا سياسيا جوهريا في الملعب العراقي الذي لم يكتسيه العشب الأخضر حتى الآن بسبب استمرار تردي الوضع الأمني في عدد من المحافظات من جانب، وعدم اتضاح الرؤية لما بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق وفقا للاتفاقية الأمنية المبرمة مع الجانب العراقي. غنيٌ عن البيان أن الإدارة الأميركية هي الأكثر إدراكا لحقيقة مهمة، وهي أن الحكومة العراقية وكذلك عدد كبير من الأحزاب السياسية العراقية المؤثرة التي تمسك بتلابيد المشهد السياسي العراقي، فحكومة نوري المالكي حتى و إن عبرت عن مواقف مستقلة نوعا ما ولكنها صديقة لطهران في كل الأحوال، وقد توافد المسئولون الإيرانيون على بغداد بحفاوةٍ عراقية رسمية تعكس مدى تأثير طهران على الواقع العراقي.
الصفحة الأخرى على الأجندة الأميركية هي « أفغانستان»، هذا البلد المنهك الذي تربطه حدود برية طويلة مع إيران التي لم تضع «فيتو» في وجه الغزو الأميركي لأفغانستان الذي أطاح بنظام طالبان المتشدد، والذي كان يمثل إحدى الجبهات التي كانت تشغل الإيرانيين.
فالرئيس الأميركي باراك أوباما كشف عن استراتيجية جديدة لـ»تصفية» قادة ومسلحي تنظيم «القاعدة» وحركة «طالبان» في أفغانستان، لإلحاق الهزيمة بمن وصفهم بـ»المتشددين». كما أشار إلى أنه بصدد إرسال أربعة آلاف جندي آخرين، لتولي مهام تدريب قوات الأمن الأفغانية، وزيادة قدراتهم لملاحقة المسلحين في مناطق الحدود، مشيرا في الوقت نفسه إلى أنه سيطلب من قادة دول حلف شمال الأطلسي «الناتو»، زيادة حجم قواتهم في أفغانستان، ويريد أوباما أن تلعب إيران دورا إيجابيا في تحقيق هدوء بعيد المدى على الجبهة الأفغانية.
ورغم أهمية الملفين العراقي والأفغاني لواشنطن، فإن هذين الملفين ليسا الوحيدين في التقاطعات المشتركة من حيث الأهمية للإدارة الأميركية والحكومة الإيرانية على حد سواء، فهناك ملف الصراع العربي الإسرائيلي بحلقاته وتشعباته المختلفة: الموقف الإيراني المناهض للتسوية مع «إسرائيل»، والدعم الإيراني المتواصل للمنظمات الجهادية المصنفة أميركيا على لائحة الإرهاب وأبرزها «حزب الله» وحركة المقاومة الإسلامية «حماس» التي تسيطر على قطاع غزة بشكل كامل بعد انهيار حكومة الوحدة الوطنية بالشراكة مع «فتح» قبل أكثر من عام.
وفي ملف الشرق الأوسط أيضا تطفو العلاقات الإيرانية- السورية، والتأثير الإيراني على الساحة اللبنانية، والمرشح للتعاظم مع احتمال حصول قوى المعارضة اللبنانية (8 آذار) على نصيب أكبر في الانتخابات التشريعية اللبنانية المقبلة خلال شهرين من الآن، وكل هذه الملفات تحتاج إلى «توافق أميركي- إيراني»، وهو أمرٌ يبدو صعب المنال، لكنه ليس مستحيلا.
وبدا واضحا أن الرد العربي على رسالة أوباما كان متحفظا وخجولا، عدا تصريحات قلة من الزعماء العرب كان من أبرزهم رئيس دولة الإمارات العربية الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان الذي اعتبر أن رسالة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى إيران إيجابية، وتهيئ الأجواء لحوار جاد ينهي حالة التوتر بين البلدين، وشدد على أن الإمارات تدعو دائما إلى الحوار للحفاظ على الاستقرار والهدوء، ورأى أن أي تقارب بين القيادتين الأميركية والإيرانية سوف يخلص هذه المنطقة من الحروب والأزمات، كما أكد أن الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمات.
وإذا ما أضفنا إلى الموقف الإماراتي الرسمي الإيجابي موقف الرئيس السوري بشار الأسد الذي يمثل أحد أبرز حلفاء طهران في العالم العربي مضافا لموقف أمير دولة قطر التي كان اقترابها من طهران واضحا خلال الفترة الماضية فإن غالبية الأنظمة العربية لم تلاق إعلان أوباما التصالحي مع إيران بترحيب يذكر، فيما سبق هذا الإعلان تطورات عربية دراماتيكية في العلاقة مع طهران وخوصا الخلاف القطري مع «دول الاعتدال العربي» على دعوة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد للمشاركة في قمة الدوحة لدعم غزة، وهو الأمر الذي قابلته الكثير من دول الاعتدال العربي والسائرة في ركبها بمقاطعة القمة، واتهام الدوحة «بفتح نافذة كبيرة للتدخل الإيراني في الشئون العربية».
وعلى رغم «الفتور العربي تجاه النبرة الأميركية الجديدة» فإن ذلك لا يعني أن العرب لم يستشعروا تأثير أي تقارب أميركي- إيراني على تغيير لشكل الخارطة السياسية للمنطقة، وهو ما دعا عددا من القيادات العربية إلى توجيه رغبة علنية للإدارة الأميركية إلى إشراك «المنظومة العربية والخليجية» في أي حوار بين واشنطن وطهران إذا امتد ليشمل مستقبل المنطقة، وهو طلب لم ترد عليه الإدارة الأميركية على نحو واضح حتى الآن مما يعمق القلق العربي من هذه التطورات.
رسالة أوباما المبشرة بفجر جديد مع الجمهورية الإسلامية جاءت بمناسبة السنة الفارسية الجديدة «النوروز»، وهي السنة التي أعقبت احتفال طهران بمرور 30 عاما على الثورة الإيرانية، وهو عامٌ يرادف في القاموس السياسي الدولي بروز قوة مناهضة للتوجهات الأميركية في المنطقة.
إيران تسعى جاهدة لإقناع العالم بقدراتها العلمية والتكنولوجية بل وحتى قدراتها العسكرية، فهي برهنت على مدى تمسكها بالملف النووي رغم سياسة العصا والجزرة التي اتبعها المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة مع طهران، وقد أعلنت إيران في الثامن من مارس/ آذار عن إجراء تجربة ناجحة على صاروخ جديد «جو- بحر» يصل مداه إلى 100 كيلومتر ويزن نحو 500 كيلوجراما ويمكنه إصابة أهداف فى البحر على بعد 110 كيلومترات بعد أن أعلنت في فبراير عن إطلاق أول قمر صناعي من صنع محلي وهو الصاروخ «سفير 2» القمر «أميد».
وكان أوباما قد وجه في 20 مارس/ آذار رسالة مسجلة على شريط فيديو إلى إيران، وعد فيه الجمهورية الإسلامية بـ «بداية جديدة» على أساس من الاحترام المتبادل
وقال أوباما مخاطبا إيران :»الولايات المتحدة تريد أن تتبوأ إيران المكانة التي تستحقها في المجتمع الدولي، وهذه المكانة لا يمكن أن يتم التوصل إليها عن طريق الإرهاب أو السلاح، وإنما من خلال حوارات سلمية تظهر العظمة الحقيقية للشعب الإيراني وحضارته».
وأضاف « لدينا خلافات خطيرة نمت مع مرور الوقت... إدارتي الآن ملتزمة بالدبلوماسية لعلاج مجموعة كاملة من القضايا المطروحة، والسعي لبناء العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران والمجتمع الدولي».
واستدرك مخاطبا زعماء إيران «لكن هذه العملية لن تتعزز بالتهديدات... نحن نسعى بدلا من ذلك إلى حوار يكون خالصا ويقوم على الاحترام المتبادل».
ووزع البيت الأبيض شريط الفيديو الذي يتضمن الرسالة مع ترجمات باللغة الفارسية ونشره في موقعه الإلكتروني ليتزامن مع احتفال إيران بعيد النيروز (أول الربيع) وبدء السنة الإيرانية الجديدة.
وعلق المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي على الرسالة قائلا: « إنه لم ير تبدلا حقيقيا في سياسة واشنطن تجاه بلاده، رغم تعهد الرئيس الأميركي باراك أوباما ببداية جديدة» للعلاقات مع طهران»، مضيفا أن تغيير اللهجة لا يكفي، بل يتوجب على الولايات المتحدة أن تطبق ما تدعو إليه على أرض الواقع.
وأشار إلى أن دعوة أوباما تجاهلت ما وصفها بـ»الأخطاء السابقة» التي ارتكبتها واشنطن بحق طهران، وذكر بحادث إسقاط طائرة مدنية إيرانية من قبل البحرية الأميركية عام 1988 والذي أودى بحياة 290 شخصا آنذاك، مشددا على أن الحادث لا يمكن نسيانه، كما اعتبر أن الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان والعراق هو السبب الوحيد لحالة عدم الاستقرار في المنطقة.
وأضاف «إذا قام أوباما بإجراءات جذرية وتغييرات جوهرية في السياسة الخارجية الأميركية تجاه الدول الأخرى، وبينها إيران، فإن إيران، بشعبها وحكومتها، لن تدير ظهرها له».
وأيا يكن الرد الإيراني فان مجرد قيام حوار أميركي- إيراني يعني ذلك أن ثمة تغير جوهري قد طرأ في العلاقات الدولية وفي مقاربة الولايات المتحدة للوضع في الشرق الأوسط الملتهب. قد يجمع الربيع إذن رأسي طهران وواشنطن بعد طلاق دام 30 عاما، ولكن كثير من دول المنطقة تخشى من أن يتسبب عقد القران الأميركي- الإيراني في نشوء تحول استراتيجي جديد قد يكون على حساب الدول العربية المتحالفة مع واشنطن مما يسمح لإيران بلعب دورٍ مضاعف في مخاض الشرق الأوسط.
رأى مسئول العلاقات الدولية لمركز حوار الحضارات الإيراني محمد صادق الحسيني أن التخوف العربي من التقارب الأميركي- الإيراني في غير محله، موضحا أن أي تقارب من هذا النوع سيعيد التوازن في المنطقة لصالح الجبهة العربية- الإيرانية في مواجهة تحديات المنطقة وعلى رأسها «إسرائيل».
وقال الحسيني في تعليقه على تداعيات رسالة الرئيس الأميركي للإيرانيين: «أن يطرق الرئيس الأميركي أوباما أبواب طهران مهنئا بعيد القادة والشعب الإيراني القومي مؤدبا- أي بلغةٍ غير لغة الإملاء وفرض الشروط- يعني ذلك أن ثمة شي ما قد تغير في المعادلات الدولية والإقليمية لغير صالح الأحادية الأميركية، وهي نوعٌ من استحضار لنصائح لجنة بيكر هملتون».
وأوضح الحسيني لـ«الوسط» أن هذا التوجه الأميركي للتقارب مع طهران له جوانبه الإيجابية على إبعاد شبح الحرب عن المنطقة، وإذا ما استغل هذا الأمر عربيا بشكلٍ جيد فيمكن أن يوظّف في تفعيل الحوار العربي الإيراني على طريقة إزالة الشكوك والتحفظات والقلق من جانب المجموعة العربية تجاه إيران، لا سيما موضوع ملفها النووي.
ورأى الحسيني أن الجانب السلبي الذي يمكن أن يتخوف العرب إنما يحصل إذا ما حصل فقط في حال غياب استراتيجية عربية لا تعرف ماذا تريد في هذه اللحظة التاريخية المهمة والتي قد تضيع الدول العربية بذلك فرصة ذهبية لها بإعادة التوزان المختل بالمنطقة، خصوصا في جهة الصراع العربي- الإسرائيلي، لأن العدو الإسرائيلي خسر حربيه في لبنان وفلسطين، والأميركي خسر حربيه في العراق و أفغانستان أو يكاد، وثمة فراغ استراتيجي تتركه هذه القوة العظمى التي أصبحت تشبه الرجل المريض في نهاية الدولة العثمانية في مطلع القرن العشرين». وأضاف الحسيني:» إذا بقي العرب على حالهم هكذا فسيكون هناك خلل استراتيجي كبير، لأن إيران لوحدها دون كتلةٍ عربيةٍ قوية وفي ظل غياب واضح للدور المصري عن التاثير وإصرار العدو الإسرائيلي على تهميش هذا الدور يجعل ذلك العرب في حالةٍ لا يحسدون عليها». وعن توقعاته بشأن إمكانية توصل الولايات المتحدة إلى اتفاقٍ وشيك مع طهران قال الحسيني:» أنا لا أميل بأن صفقة ما بين الإيرانيين والأميركان يمكن أن تحصل في هذه اللحظة ولا تسوية نهائية لهذه الملفات الساخنة المختلف عليها بقدر ما هي مرحلة استكشاف للنوايا بين الطرفين بما يسمح للعرب أن يلتقطوا اللحظة التاريخية والاستفادة منها ويحسنوا توظيف هذا المتغير الجديد.
وعن مبرارات القلق العربي من التقارب الأميركي- الإيراني رأى الحسيني أن هذا التخوف في غير محله، لأن العكس هو الذي تريده إيران على الأقل، لأنها تريد توظيف هذا التحول لصالح القضية المركزية لدى العرب وهي القضية الفلسطينية.
أكد الخبير في الشئون الآسيوية عبدالله المدني أن الحوار الأميركي- الإيراني سيكون إيجابيا على المنطقة إذا لم تكن للإدارة الأميركية أجندة خفية من هذا الحوار.
وأوضح المدني أن منطق الحوار مع طهران أمر إيجابي ولكن لا بد من إدخال المنظومة الخليجية كلها في هذا الحوار حتى تضن عدم المساس بمصالحها.
وأضاف المدني «التاريخ يكشف أن المصالح الأميركية الخاصة تطغى على سائر الأمور، فالإدارة الأميركية أهملت مصلحة بعض أصدقائها، وهي كقوة عظمى لا تمانع من التنازل، وهنا تكمن المشكلة إذا كان هذا التقارب وتلاقي المصالح سيكون على حساب الدول الخليجية التي لديها علاقات وروابط تاريخية طويلة ووثيقة مع واشنطن وتحديدا في أمن المنطقة والمضائق وأمور من هذا القبيل».
وقال المدني «نحن نتمنى أن الأمور العالقة بين الولايات المتحدة وطهران تأخذ طريقها للحل، ولكن ليس على حساب دول معينة، فالاستقرار في المنطقة سيكون أمرا مهما لضفتي الخليج، ولكن شريطة أن تكون كل الدول مستفيدة بنفس القدر من هذا الحوار».
وأشار المدني إلى أن ثمة تغيرات كبيرة ستحصل في عهد الإدارة الأميركية الجديدة التي تريد أن تثبت قدرتها على التغيير. وأضاف المدني «في ظل إدارة أوباما وهي إدارة غير مجربة شهدنا تحركات تنبأ بوجود تغيرات كبيرة بالنسبة للعراق وأفغانستان والخليج، فالإدارة الأميركية جاءت بمشروع جديد وطبلت لنفسها، وتريد الآن أن تثبت أنها مختلفة تماما، ولكن الإشكال أنها تحاول أن تثبت قدرتها بسرعة، وبالتالي هي تقحم نفسها بسرعة في عقد اتفاقات سريعة من دون أن تأخذ وقتها الكافي».
وعما إذا كان يرى أن الدول العربية ستستفيد من الأجواء الإيجابية الجديدة في المنطقة قال المدني: «الإجابة صعبة جدا، لأن الدول العربية أثبتت دائما أنها لا تستثمر الفرص.
اعتبر وزير الدولة السابق للشئون القانونية حسين محمد البحارنة أن التقارب الأميركي- الإيراني أمر مرحب به عالميا، لأنه سيجعل المنطقة أكثر استقرارا، كما أن من شأنه إزالة التوجسات بين ضفتي الخليج.
ودعا البحارنة إلى ضم إيران في المنظومة الأمنية العربية والخليجية خصوصا، موضحا أنه يجب ضم إيران في أي اتفاقيات دفاع أمني عربي أو خليجي، وقد صرح الزعماء الإيرانيون بأنهم مستعدون للانضمام لأي حلف أمني مع الدول العربية، وهذا الأمر سيصب لصالح الاستقرار في المنطقة.
وأضاف البحارنة في حديث إلى «الوسط»: «إن مثل هذا التقارب هو مرحبٌ به عالميا وإقليميا، لأن كل الدول أيدت هذا التقارب بعد إعلان الرئيس أوباما، وخصوصا بعد الرسالة التي وجهها أوباما للزعماء الإيرانيين وكذلك للشعب الإيراني، والولايات المتحدة مهتمة بملفات كثير مع إيران، نظرا لأهميتها البالغة بالنسبة لأي حل بالنسبة لأفغانستان وعلاقاتها الحميمة مع سوريا ومنظمة «حماس» وحزب الله ، وأميركا وجدت أنه لا يمكن أن تستمر في سياسة العداء الذي مارسته الإدارات السابقة، وهذه الإدارة فكرت بتعقل بأن تطرح كل الملفات على الطاولة».
وعن رأيه في مبرارات القلق العربي من أي تقارب أميركي - إيراني محتمل قال البحارنة: «إنه خلاف للتصريحات الإقليمية من بعض الزعماء العرب الذين انقلب التحدي والخوف لديهم من (إسرائيل) ودورها السلبي في استمرار القضية الفلسطينية توجهوا تحت تأثير نفوذ أميركي إلى توجيه التحدي إلى إيران بدلا من (إسرائيل)، وأصبحت إيران هي منشأ التخوف العربي وليس ذلك الكيان، وهذه سياسة خاطئة، لأنه لا يوجد شخص يمكن أن ينكر أهمية دور إيران في مساندة الحركات النضالية، ولا يمكن أن يؤخذ الموضوع على منحى طائفي».
وأضاف البحارنة «أعتقد أن سياسة العداء لإيران غير صحيحة، والمقولة التي تردد بأن إيران يجب إلا تتدخل في دعم الحق العربي إلا من خلال منظور الشرعية العربية، هذه مقولة خاطئة، لأنه وقبل كل شيء أولا يجب أن نسأل: أين هي الشرعية العربية ما دامت الدول العربية منقسمة على نفسها، وفي المقابل نجد أن «دول الاعتدال العربي» تسعى جاهدة للحل السلمي مع «إسرائيل» بأي ثمن ».
وأضاف البحارنة أن «أميركا الآن بحاجة إلى إيران على صعد مختلفة، وخصوصا ضمن الخطة الاستراتيجية الجديدة بالنسبة لأفغانستان (...) أعتقد أن الذي دفع أوباما بنظرته الجديدة إلى التغيير بأن يمد يده إلى إيران هو حاجته إلى الدور الإيراني في أفغانستان ومحاولة إقناع إيران بكف يدها عن لبنان والعراق» مضيفا «أعتقد ألا خوف من إيران على الخليج مطلقا، فإيران لم تعتدِ على دول الخليج، وهذه حقيقية تاريخية».
أكد المدير التنفيذي لمعهد البحرين للتنمية السياسية إبراهيم الرميحي أن دول المنطقة، وخصوصا دول مجلس التعاون الخليجي تؤيد منطق الحوار الأميركي مع طهران شريطة ألا يكون هذا الحوار الثنائي على حساب أي طرف في المنطقة.
وقال الرميحي في تعليقه على التوجهات الجديدة للإدارة الأميركية تجاه طهران: «نحن نؤيد ثقافة الحوار لحل المشكلات الإقليمية والدولية، وهذا الطريق يوصلنا إلى معرفة وجهات النظر الإيرانية، ونحن لا نحبذ التصعيد مطلقا، لأن إيران جارة موجودة في المنطقة ولها ثقلها السياسي، كما أن المنطقة شهدت حروبا كثيرة أثرت على الجو العام والاقتصاديات والتنمية والاستقرار».
وأوضح الرميحي أن جميع دول المنطقة تؤيد ثقافة الحوار مع طهران، ولكن هذا الحوار يجب أن يقوم على منطق الثقة المتبادلة واحترام سيادة الدول، كما أن فتح قنوات الحوار بين واشنطن وطهران ستكون له انعكاسات إيجابية على المنطقة، فحرب العراق كانت لها نتائجها السلبية الكبيرة وأصبح هناك نوع من التخوف والريبة، وتكرار هذا السيناريو الخطير سيعظم المشاكل أكثر فالحوار الذي طرحته أميركا نأمل أن تتجاوب معه طهران لمناقشة كل الأمور العالقة بما يخدم مصالح كل الأطراف.وذكر الرميحي أن سياسة أوباما الجديدة تصب في هذا الاتجاه، كما أن الدول العربية وخصوصا دول الخليج لا تريد تصعيدا في المنطقة، والتقارب بين إيران والولايات المتحدة قد تتخوف بعض الدول في المنطقة من زاوية أن يكون هذا الحوار على حساب قضايا عالقة بين دول مجلس التعاون وإيران مثل الجزر الإماراتية الثلاث والادعاءات الإيرانية المتكررة بالبحرين، فإذا كان التقارب الأميركي الإيراني سيساهم في بلورة حل إيجابي لهذه القضايا فإن ذلك يعني حتما أن المستقبل سيكون أكثر ثقة وتوازنا في المنطقة.
وشدّد الرميحي على أن دول مجلس التعاون الخليجي تريد الثقة المتبادلة مع إيران وتريد أن تبدأ طهران خطوات إيجابية مع دول الخليج، وأنا أتوقع أن الدول العربية ستكون أكثر ثقة بعد أي حوار أميركي- إيراني محتمل إذا كان قائما على هذه الأسس، أما إذا كان التقارب سيكون على حساب أطراف أخرى فإن من حق بعض الدول العربية أن تبدي تخوفها من تداعيات هذه القضية.
رأى مستشار الدراسات الإستراتيجية وحوار الحضارات في مركز البحرين للدراسات والبحوث محمد نعمان جلال أن الموقف الإسرائيلي سيكون أكثر قلقا من احتمالات التقارب الأميركي- الإيراني وخصوصا في ضوء الحكومة الإسرائيلية اليمنية المتطرفة بقيادة نتنياتهو وحزب «إسرائيل بيتنا» وهي قيادة متطرفة لا تؤمن بالسلام ولا بالتعاون الإقليمي، ومن ثم لا يتوقع أن تأخذ «إسرائيل» موقفا محايدا من هذا التقارب بل ستسعى إلى تعويقه أو الحيلولة دون وقوعه.
وعن توقعاته للمواقف العربية من أي حوار أميركي- إيراني محتمل أشار جلال إلى أن الدول العربية فإنها تنظر إلى تطور العلاقات الأميركية الإيرانية من ثلاث زوايا: الزاوية الأولى: الزاوية الإيجابية، وهي تعتبر أن هذا التطور في العلاقة سيؤدي إلى تهدئة حالة التوتر ومن ثم ينعكس إيجابيا عل الدول العربية عامة ودول الخليج بوجه خاص، والناحية الثانية أن هناك ثمة احتمالات أن يكون لهذا التطور آثارا سلبية على دول الخليج إذا قررت الولايات المتحدة إعادة سياستها في السبعينيات بأن تجعل إيران «شرطي الخليج» وهو الدور الذي كانت تتبناه إيران بعهد الشاه وتعتبر عنه السياسية الأميركية حاليا بإعطاء دور إقليمي لإيران.
وأشار جلال إلى تأثير التطور العلمي والتكنولوجي في إيران وخصوصا التطور في المجال النووي، والدول العربية فمن هذه الزاوية تؤيد التطور النووي السلمي في إيران وتؤيد الموقف الإيراني ولكنها من زاوية أخرى تتخوف من أن يتحول البرنامج النووي السلمي إلى برنامج نووي عسكري ومن ثم تصبح الدول العربية بين قوتين نوويتين هما إيران و»إسرائيل» وهذا يؤثر على الأمن العربي، ويصبح لزاما على الدول العربية أن تطور برنامجا نوويا حتى تستطيع الدفاع عن نفسها، وهذا يترتب عليه استنزاف موارد تفضل الدول العربية تخصيصها من أجل التنمية.
وعما إذا كان يتوقع أن تفضي التوجهات الأميركية الأخيرة إلى اتفاق وشيك مع طهران أم مجرد هدنة طويلة قال جلال:» لا يستطيع المرء في هذه اللحظة أن يتنبأ لهذا التقارب بمداه وأبعاده، إلا أنه يتوقف على مجموعة من العوامل منها الانتخابات الرئاسية الإيرانية المقبلة وسياسة القيادة الإيرانية في تجاوبها أو عدم تجاوبها مع مبادرات الانفتاح الأميركية سواء تصريحات أوباما في مرحلة الانتخابات أو رسالة الرئيس الأميركي للشعب والقيادة في إيران، وكذلك دعوة الولايات المتحدة لإيران للمشاركة في مؤتمر أفغانستان».
العدد 2398 - الإثنين 30 مارس 2009م الموافق 03 ربيع الثاني 1430هـ