يتصدر ملف التنصت على المكالمات واجهة الاهتمامات السياسية في لبنان والبحرين في وقت متزامن. ويتجه مجلس النواب اللبناني إلى تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق الشامل في القضية التي أثارت سخط الشارع اللبناني بعد أن كشفت أوساط أمنية وسياسية لبنانية في بيروت النقاب أمس عن وجود أكثر من 15 شبكة متطورة للتنصت على المكالمات الهاتفية السلكية واللاسلكية والخليوية في لبنان «تُحصي على أكثر من 150 ألف سياسي وعسكري وأمني واقتصادي ومواطن عادي أنفاسهم الهاتفية».
أما في البحرين فقد شهدت لائحة التنصّت على الهواتف والاتصالات الإلكترونية إدانات واسعة، ففي الوقت الذي انتهت فيه المهلة التي أعلنتها هيئة تنظيم الاتصالات بشأن تقديم المواطنين والمقيمين لملاحظاتهم على اللائحة التنظيمية المتعلقة بالأمن الوطني والتنصت على المواطنين الأسبوع الماضي، إلا أن الصخب السياسي والإعلامي للقضية لم ينته بعد.
وفي لبنان أصبحت قضية التنصت على المكالمات في لبنان مادة لقذف الكرة بين فرقاء الساحة السياسية، ففريق الغالبية البرلمانية (14 آذار) اتهم وزير الاتصالات جبران باسيل (من المعارضة) بحجب المعلومات عن لجنة التحقيق الدولية في الجرائم السياسية وتسريبها لجهات غير رسمية (أحزاب المعارضة) بينما اتهم فريق المعارضة (8 آذار) أجهزة أمنية محسوبة على قوى الأكثرية بالتنصت على نحو غير قانوني وتزويد سفارات أجنبية بالمعلومات، وقد برزت دعاوى للقضاء اللبناني للتحقيق في القضية بالموازاة مع التحركات البرلمانية والسياسية والإعلامية.
أما في البحرين ومنذ إعلان هيئة تنظيم الاتصالات عن قرب إصدار لائحة التنصت على المكالمات، فإن القضية أصبحت آخذة في التصاعد سياسيا، فقد اتهمت كتل برلمانية وقوى سياسية وحقوقية ومنظمات مجتمع مدني هيئة تنظيم الاتصالات بمخالفة الدستور الذي يصون الخصوصية الشخصية، وأضحى رفع ملف التنصت موضع اتفاق بين القوى السياسية المختلفة المقربة من الحكومة والمعارضة على حد سواء.
وتشدد القوى السياسية والنيابية البحرينية أن «قرار التنصت على المواطنين، أكبر من أن تأخذه هيئة تنظيم الاتصالات، بل يجب أن ينظم بالقانون الذي يصدر من السلطة التشريعية ولابد من مشاورات مع الجهات المعنية والأشخاص إذ لابد من قبول الأشخاص المعنيين بهذا الأمر».
وذكر رئيس كتلة المستقبل النيابية (مقربة من الخط الرسمي) النائب حسن الدوسري أن «هناك مخالفة واضحة للدستور في هذه اللائحة، ومن غير الصحيح والمقبول مراقبة أسرار الناس ومكالماتهم الشخصية، لذلك سنطرح الأمر في الاجتماع المقبل للكتل النيابية الذي سيُعقد خلال الأسبوعين المقبلين».
أما قوى المعارضة فحذرت من استخدام أدوات برلمانية لوقف ما أسمته « تجاهل هيئة تنظيم الاتصالات» لصلاحيات السلطة التشريعية، وهو أمر نفته الهيئة مرارا، معتبرة أن « لائحة التنصت» لا تعدو عن كونها أمرا تنظيميا فحسب، ولا تتعارض مع المبادئ المرساة في الدستور بحماية المعلومات الشخصية.
ويستدل القانونيون بعدم دستورية اللائحة التي تنوي هيئة تنظيم الاتصالات إصدارها بتعارض اللائحة مع نص المادة (26) من دستور مملكة البحرين التي تكفل حرية وسرية المراسلات البريدية والبرقية والإلكترونية، غير أن الهيئة مصرة على موقفها باعتبار « اللائحة» متوافقة مع دستور وقوانين المملكة وأنها تتماشى مع التزامها الأدبي بضمان سرية الاتصالات عدا ما يتعلق بالصلاحيات الممنوحة للجهات الأمنية فيما يتعلق بحفظ الأمن الوطني للمملكة.
وقد اتخذ منحى مواجهة « ملف التنصت» في لبنان صورا شتى، فقدت عقدت لجنة الإعلام والاتصالات في البرلمان اللبناني جلسة استماع ومناقشة للقضية بحضور وزراء الداخلية، العدل، الدفاع، الاتصالات، ومدعي عام التمييز، لدرس ومناقشة ملف التنصت الذي بقي يتصدر واجهةَ الاهتمامات السياسية من عين التينة « مبنى البرلمان» إلى السراي الكبير « دار الحكومة»،
وقال رئيس لجنة الاتصالات النائب حسن فضل الله إنه أطلع رئيس مجلس النواب نبيه بري على مناقشات لجنة الإعلام والاتصالات «وما توصلنا إليه في الجلسة الأولى بشأن هذه القضية التي أقول إنها قضية وطنية يجب أن تكون خارج أي انقسام سياسي وأي خلاف سياسي وأي سجال سياسي».
وأضاف «لقد فوجئ الرئيس بري بالمعطيات والمعلومات التي قدمت له وبحجم المخالفات الخطيرة وبحجم الانتهاك للقانون وعدم تطبيق قانون وضعه مجلس النواب هو القانون 140 وصدرت مراسيمه التطبيقية العام 2005» مؤكدا أن الأصل هو حماية حرية الاتصالات والاستثناء هو التنصت لمصلحة وطنية حددتها المواد القانونية والمراسيم التطبيقية. سواء ما يتعلق بمكافحة الجريمة أو بمحاكمة الإرهاب أو بمكافحة الاعتداء على أمن الدولة، موضحا بأن كل هذه الأمور موجودة في القانون.
وقد استبق رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة اجتماع لجنة الإعلام والاتصالات النيابية فقام بدعوة من دعتهم اللجنة، وهم وزراء الاتصالات، العدل، الداخلية الدفاع، مدعي عام التمييز، قائد الجيش، مدير مخابرات الجيش، قادة الأجهزة الأمنية والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء ورئيس شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي. لمناقشة القضية رغبة في كبح جماحها لئلا تتخذ ثوب أزمة سياسية عصية.
أما في البحرين فقد اعتبرت كتل برلمانية وقوى سياسية ومنظمات حقوقية بأن قيام هيئة تنظيم الاتصالات بفرض إجراءات على الشركات بهدف الاحتفاظ بسجلات لجميع المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني والمواقع التي يزورونها لمدة ثلاث سنوات، يعتبر اعتداء صارخا على الحقوق المدنية لجميع المواطنين والمقيمين في البحرين.
واعتبروا أن تخزين المعلومات لكي يفسح المجال للسلطات بالتنصت على المكالمات الهاتفية، ورسائل البريد الإلكتروني، وأي شكل آخر من أشكال الاتصال الإلكتروني كالرسائل النصية والرسائل متعددة الوسائط، يمثل انتهاكا للخصوصيات الفردية، إذ لن يكون الإنسان مطمئنا لما يكتب أو يستقبل من اتصالات. وهدد عدد من النواب باستخدام الأدوات النيابية التي تدعو إلى إيقاف إصدار اللائحة إذا استمرت الهيئة بتجاهل دور المجلس.
وخلافا لما هو الوضع عليه في لبنان، فلم تصدر الحكومة في البحرين موقفا رسميا من هذا الملف حتى الآن، إلا أن مدير عام هيئة تنظيم الاتصالات ألن هورن أوضح أن اللائحة التنظيمية المقترحة المتعلقة بالأمن الوطني قد جاءت من أجل تقنين التنصت على مكالمات المواطنين ومراقبة مراسلاتهم الإلكترونية، وأكد أنها لا تشكل أي خرق للدستور البحريني. وقال: «لا يجب على أي فرد أن يقلق من هذه اللائحة التي هي في النهاية أمر تنظيمي» موضحا أن «اللائحة لم تأتِ بأي أمر جديد لم يكن موجودا في السابق وإنما وضعت أطرا لمواد قانونية موجودة سابقا»، وفي لبنان والبحرين يبدو أن « قضية التنصت على المكالمات «ستبقى رهينة تجاذبات سياسية حتى تطوى هذه الصفحة بتوافق يتماشى والضوابط الدستورية.
يذكر أن هيئة تنظيم الاتصالات تأسست بموجب المرسوم بقانون رقم (48) لسنة 2002، وهو قانون الاتصالات. وتعتبر هيئة تنظيم الاتصالات ( وفقا لمرسوم إنشائها) هيئة مستقلة تشمل واجباتها وصلاحيتها، من بين أمور أخرى، حماية مصالح المستهلكين وتشجيع المنافسة الفعالة بين المشغلين المرخص لهم أو الذين يتم الترخيص لهم لاحقا (الجدد) وكذلك حماية حقوق المستهلكين.
العدد 2398 - الإثنين 30 مارس 2009م الموافق 03 ربيع الثاني 1430هـ