العدد 904 - الجمعة 25 فبراير 2005م الموافق 16 محرم 1426هـ

الشعر... بين صوت المطر وجرافة تقتلع حقلا

ومضة هو الشعر. .. استفزاز جميل تتمنى ألا يفارقك... أن يظل ملازما لك لتكون محصنا من حال البلادة والخمول والحاجة الماسة الى كتالوج لتعلم طريقة التنفس. بعضهم يصل به الأمر الى هذه الدرجة... لا يحسن من هذه الحياة شيئا... حتى التنفس... ويشعر بتلك الحاجة الفادحة الى طرق وأساليب تعلمه كيفية استنشاق الهواء وكيفية الزفير. هل توجد مصيبة غباء أكبر من هذا الحجم؟

بعض القصائد تذكرك بالعمارات الفارغة من السكان والإنارة والشبابيك والسلالم... تشبه الى حد بعيد التوابيت ولكن بشكل عمودي! مثل تلك القصائد هي مشروع دفن وردم، لا تخرج منها إلا بالهواء الفاسد والمزيد من العتمة التي تحرمك من نعمة مصافحة الألوان ببصر وبصيرة. مثل تلك القصائد هي مشروع مصائد وشراك وفخاخ لن تعد ضحيتها بغير الخنق والموت البطيء على مستوى ذائقته وحساسيته ونظره الى العالم بل وحتى الى نفسه.

وبعض القصائد تذكرك ببيوت السعف والطين حيث رائحة كل شيء تذكر بأناس مروا من هنا... بخيول حرة حمحمت في لحظات عز لم تعد قائمة... بوجوه لها الدراية، مشغولة بالسفر وترتيب أشغال الروح... تذكرك بساعات الفجر الأولى إذ النفس مستوية على تكاملها واطمئنانها واستقرارها وخصوصا مع قراءة رخيمة الصوت في سورة "الملك"... ودعاء يطهر الروح ويزكيها من محن وورطة الاستجداء الأرضي. قصائد هي أشبه بالحاضنة الأولى... بالمكان الأول والصوت الأول والوجوه الأولى المألوفة.

الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، واحد ممن يصرون على أن يكون في قصائدهم مثل تلك الحاضنات والأمكنة والأصوات والوجوه:

مزون وبرق سحاب ومطرها في سما رعاد

تشوف مزون تمطر لك غلا لكن تهيا لك

علوم الوقت تاخذ من علوم الناس قل أو زاد

تضيعك بهواها ثم تضحك لك وتلجا لك

وهنالك من يستفز عيونا... فيستفز بذلك تاريخا من الأبواب والعبور والضحكات العابرة التي مازال هالها وضوؤها حاضرا في ثنايا المكان... تشعر بحرارتها... تماما مثل شعورك بدم هناك يسري في عروقك... دليل حياة تضرب في الأرض عمارا وعلوا. ذلك تماما ما يأخذنا اليه عوض بن حاسوم الدرمكي في واحدة من روائعه:

طال صمتك يا صباح وما انتفض ترحاب بابي

لى متى با فتل عيوني حلم وانقضهن عزايا؟

بل ريقه ياسي وجرهد من الضحكات بابي

ملني وجه الطريق دموع... واوحشت الزوايا

يا الصباح اللي ارتحل بي دون ما ادري وارتقى بي

هاك واشعل شفتيني ذكر واقدحني منايا

عبدالله حماد يقيم عمارته الشعرية ضمن انحيازه للمادة الخام في المكان... لا يعبأ بالأسوار والنوافذ العاكسة للضوء وأجهزة التكييف... يظل وفيا للبدايات في كل شيء... بدايات المكان وما يتحرك فيه... تظل العين نافذته الصادقة التي يمكن الوثوق بها في تعاطيه مع حركة العالم ومع ما حوله. نقف على صور عدة في روائع له تكشف عن مثل ذلك الانحياز الواعي والآسر معا:

مثل الغصن ذاك لجله تنتهك سنبله

ولجله "احكروا" له في دهاليز السلام الحمام

مثل احتجاج العيون ومبدأ المكحله

جيتك مسا فيه من عدلي كما في السلام

وفي استدراج بدأه إبراهيم المقابي تقف على الانحياز ذاته الى المادة الخام... الانحياز إلى الأشياء البسيطة والصور البسيطة وكذلك الحدود الذاهبة حد الإمعان في لعبة التجربة:

ما همتك ناس تزرع دربك بمعضله

ولا جاورك ياس ياصل بك حدود انهزام

حالات استثنائية يختلط فيها صوت هطول المطر في الشعر بصوت جرافة في طريقها لاقتلاع حقل... وحالات استثنائية في عدد من القصائد يختلط فيها صوت طفل استيقظ للتو وهو "يكركر" بصوت "صنطري" حارس سجن يقتحم على موقوفين زنازينهم للتفتيش الذاتي، مثل تلك القصائد لا تخلو من إصابة بحال من الانفصام والإرباك الذي ينتاب التجربة والحال الخاصة التي وجد الشاعر فيها نفسه إما ممعنا في الثرثرة وإما في هذيان لا يوجد ما يدل على أنه سينتهي! مخلفا وراءه مزيدا من التوجس في الاقتراب من هذا الكائن الجميل والاستثنائي.

لكننا نظل مأخوذين بذهب التجارب، تلك التي لا تصيبها يد الزمن بأي وهن، بل على العكس تمنحها مزيدا من التألق... تراها هنا مشعة وإن تمت مواراتها تحت أكوام من التراب... وإن زحف عليها ركام الزمن، وهو تماما ما يسعى الى أخذنا إليه عبدالله الحارثي في قصيدته "عصافير وغصون":

قلت: أكتبك صار الورق عطر وثياب

والروح ترقص عاريه في دفا لون

وصار القلم عصفور وكفوفي أعشاب

واصابعي طارت فراشات في الكون

وتسنبلت في غيمة الحرف الاسباب

واثمر على بال الورق غصن زيتون

قلت: اكتبك صاروا محبينك أغراب

وطارت من أيامك عصافير وغصون

العدد 904 - الجمعة 25 فبراير 2005م الموافق 16 محرم 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً