العدد 945 - الخميس 07 أبريل 2005م الموافق 27 صفر 1426هـ

أول من زاول مهنة التمريض من أبناء رأس الرمان!

الحاج حبيب غيث

الوقفة هنا لتخليد ذكرى رجال رأس الرمان الأوائل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة طبعا فهناك رجال اعطوا الكثير وساهموا وضحوا من أجل لقمة العيش والحياة الكريمة لأبنائهم ورفع مكانة منطقتهم، فعلى رغم التشتت والتفكك الأسري والنزوح الاجباري للأهالي لمناطق مختلفة من البلاد، وذلك بسبب ضيق السكن العيشي فإنه لا تزال روح الأسرة الواحدة هي الرابط الذي يجمع ابناءها ويؤلف بين قلوبهم فإن العرفان بالفضل لتلك الشخصيات هو الميزة الاساسية التي نراها ونلمسها في كل يوم ومناسبة مادامت عرى الألفة والمحبة والتعاون تزداد صلابة ومكانة واحتراما بكل الاتجاهات كي تشمل الجميع وتضمهم تحت جناحيها. وحين أسرد على القارئ ذكريات احدى الشخصيات البارزة والمهمة بمنطقتنا فإن ذلك يعتبر فخرا واعتزازا لأهالي رأس الرمال الافاضل لكي يتعرفوا على تلك الشخصية ومالها من مكانة ودور وهو رمز عظيم وأكثر قيمة لسائر الشخصيات التي رفعت اسم رأس الرمان عاليا وكان لهم الفضل في تنمية قدرات ابنائهم حتى وصلوا بهم الى أعلى المستويات في شتى المجالات العلمية وتبوئهم مناصب قيادية مهمة في المملكة. والحاج حبيب محمد غيث هو أحد هؤلاء الرجال المخلصين الذين انجبتهم رأس الرمال فما أكثر الرجال الذين جادت بهم الحياة وظلوا علامة مميزة. والحاج حبيب أو كما يطلقون عليه "دختر حبيب" في مقدمة هؤلاء الرجال الذين ارتبطت حياتهم بالاخلاقيات الطبية فقد عرفته عن قرب منذ طفولتي نموذجا يحتذى وانسانا يسبقه حب أهالي رأس الرمال وتعلقهم وارتباطهم به فهو صديق وأخ لكل مرتادي المستشفى أو بيته لتلقي العلاج أو المشورة فقد أعطى بلا حدود، وهذه شيم وكرم وطبع أهالي المنطقة جميعا، وهذا هو سر نجاحه وتفوقه في عمله فعلى رغم تقاعده الذي ترك فراغا كبيرا فإن وجوده وحضوره بيننا يتمثل فيما تركه من سمعة طيبة وشهرة واسعة أتمنى أن يكتسبها الآخرون. فبعد عطاء دام 48 عاما كان خلالها الموظف المخلص الامين والرجل المطيع المتواضع والابن البار الغيور، عاشق أرضه وترابها التي نشأ وترعرع وتربى بين أحضان والديه على الخير والايمان والعمل الصالح بدأ حياته التعليمية بحفظ القرآن عند المطوع في بيت احد أقاربه وبيت الحاج عبدالله بن محسن حتى سن العاشرة من عمره، وفي العام 1934 التحق بالعمل في مستشفى فكتوريا "بيت الحكيم" بصفة عامل تنظيف لمدة خمس سنوات، ويرجع الفضل في توظيفه الى والدته - رحمها الله - فهي التي سعت الى ذلك، وكان راتبه الشهري "خمس روبيات" فقط، وكان يعمل معه آنذاك من البحرينيين شخصان هما الممرض فرج والصيدلي موسى وكان غالبية مرتادي المستشفى من الشرطة وجنسيات أخرى. ولكن طموحه لم يتوقف عند هذا الحد بل صقل موهبته بالاطلاع والدراسة، اذ درس بمدرسة التوراني ومن بعد ذلك مدرسة التاجر وفي العام 1938 عين موظفا رسميا في مستشفى النعيم بصفة ممرض مبتدئ وتدريجيا رقي وأصبح من أشهر وأبرز الممرضين في هذه المستشفى. وفي العام 1967 أي بعد ثلاثين سنة خدمة حصل على بعثة دراسية في التمريض الى لندن مدتها سنتان اجتازها بنجاح وتفوق، عاد بعد ذلك الى البحرين وعين رئيسا لقسم التمريض. تتلمذ على يديه الكثير من الممرضين ابرزهم المرحوم عطية أحمد الحايكي والمرحوم محمد علي سعيد الحايكي وميرزا الخير ومال الله وسعد بن صالح وعبدالامير حماد. وبعد هذه السنين الحافلة بالخدمة والتي قضاها وفيا وأمينا ومخلصا لعمله وتحديدا في العام 1981 طلب التقاعد، وذلك لاراحة جسمه وليتفرغ لشئون أسرته من أولاد وأحفاد، ولكنه لايزال يقوم بهذه المهنة في تقديم العلاج لأهله وأبنائه وأحفاده وكل من يحتاج اليه فهو لا يتردد وانما يقوم بواجبه وما يمليه عليه ضميره وهذا شعور واحساس وعمل يشكر عليه. ومن الاشخاص الذين يكن لهم الفضل والاحترام الوالد المرحوم "حسن أبوراشد الحايكي" فهو مثله الأعلى الذي يقتدي به، إذ قال: كان - رحمه الله - انسانا نزيها وعادلا بمعنى الكلمة ذا أخلاق عالية مؤمنا بربه كريما ومتواضعا ومتسامحا يحب ان يعمل الخير لكل الناس، ذا سمعة واسعة بين أوساط المجتمع، وضرب به المثل في كل الظروف والمحن. وعن الحياة والمعيشية قبل ستين عاما يقول الحاج حبيب: كانت الحياة شاقة ومتعبة كثيرا، ولكن كانت تربط الناس صلة القربى والمودة ويدهم واحدة يتقاسمون رزقهم فيما بينهم بالتساوي وكانوا يعتمدون في رزقهم المعيشي على صيد البحر والعمل في المزارع وتكسير الحجر. أما البيوت التي يعيشون فيها فكانت غالبيتها من سعف النخيل والحطب. أما من هم ميسورو الحال فكانت بيوتهم مبنية من الحجر والطين أمثال بيوت النوخدة وآل دويغر وبيت فاروق. بعد كل هذا العطاء والمجهود الذي قام به ودع وظيفته التي كرس عمره فيها خادما لكل المواطنين، وذلك من اجل رفع شأن بلاده في المجال الصحي والنهوض به الى أعلى المستويات العلمية الحديثة. وهنا يتوجه أبومحمد لكل من وقف إلى جانبه بالشكر والامتنان ولولا دعواتهم وامنياتهم له لما وصل الى هذه المرتبة من الشهرة سواء في العمل أو في محيط الاسرة والمنطقة ويدين بالفضل والعرفان للمرحومة والدته ولجميع أهالي رأس الرمان الكرام الذين مازالوا يتذكرونه ويعتزون به. وان هذا الشعور والاحساس من محبة واحترام سيظل راسخا عالقا بأعماقه. نعم، هذا هو أحد رجال رأس الرمان المبدعين، والذي تحدى الزمن وقهر الفقر والأمية وصنع لنفسه شخصية ستظل مطبوعة على الجبين وشعلة مضيئة للأجيال القادمة. وبعد فإني أبرهن لكم أن الحاج حبيب استطاع وعلى مدى نصف قرن أن يكون ومنذ أول يوم له في بيت الحكيم صخرة قوية في دائرة الضوء والاصرار والتحدي والذكاء والروح العالية وعدم اليأس ولم يكن سهلا بل ابدع وأتقن في عمله ولفت الانظار اليه وسطر اسمه بأحرف من نور ستظل مضيئة بتاريخ رأس الرمان. علي الوادي

العدد 945 - الخميس 07 أبريل 2005م الموافق 27 صفر 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً