انشغل المغاربة منذ مطلع العام الجديد وحتى الآن بالاستطلاع الذي أجرته صحيفة «الجريدة الأخرى» الأسبوعية المستقلة، عن شخصية السنة والتي آلت إلى رئيس هيئة الإنصاف والمصالحة إدريس بنزكري.
حتى الآن الموضوع يبدو اعتيادياً، لكن غير الاعتيادي فيه عند بعض المغاربة هو ان يحتل المرتبة الثانية الملك محمد السادس، ومن هنا جاءت الأزمة التي شغلت الحكم ورجالاته، والصحافة مستقلة كانت أم حزبية أو حكومية، فيما لم يشغلهم حادث أهم تزامن مع الاستطلاع وهو قيام بعض من خريجي الجامعات المغربية بحرق أنفسهم أمام قبة البرلمان.
اختارت «الجريدة الأخرى» شخصية مغربية استطاعت أن تترك بصماتها خلال السنة المنقضية، ومن بين المئة شخصية تم اختيار شخصية العام التي تمثلت في إدريس بنزكري الذي اعتبر «شخصية السنة في المغرب»، إذ نال في المئة من المستطلعة آراؤهم، مبررين اختياراتهم بشخصية بنزكري الكتومة، ولشجاعته وتواضعه وبعد نظره ونضاله المستميت من أجل ملف حقوق الإنسان وإعداده تقريراً مهماً في الموضوع عن هيئة الإنصاف والمصالحة منذ تسميه على رأس هذه الهيئة من قبل العاهل المغربي الملك محمد السادس. وبالتالي فقد اعتبر بنزكري رمزاً للمصالحة المغربية وطي صفحة الماضي، لمساهمته في الكشف عن الكثير من المجازر التي شهدها المغرب، وإسهامه في تحسين صورة المملكة خارجيا.
في المرتبة الثانية من الاستطلاع، حل الملك محمد السادس بنسبة في المئة من الأصوات، فيما احتلت «هيئة الإنصاف والمصالحة» التي يترأسها بنزكري المرتبة الثالثة بـ في المئة من الأصوات، وليأتي بعد ذلك المفكر المغربي المهدي المنجرة والمعارضة الإسلامية نادية ياسين في الرتبة الرابعة بنسبة في المئة لكل منهما، أما الباحث المغربي عبدالعروي المرتبة السادسة بنسبة في المئة، فيما حصلت على نسبة في المئة أربع شخصيات. أما النسبة المتبقية وهي في المئة من المستطلعين فإنها لم تحدد اختياراتها بشأن شخصية السنة.
وفق ما نقلت وكالة الأنباء الحكومية، فقد استنكر عدد من أعضاء الحكومة المغربية وشخصيات أخرى الطريقة التي أجرت بها أسبوعية «الجريدة الأخرى» استطلاعاً «عن شخصية السنة في المغرب، متهمين الأسبوعية خصوصاً بـ «استغلال الثقة» وبـ «السطحية» و«الرغبة في الإساءة»، بحسب ما جاء في وكالة المغرب العربي. فقد عارض أعضاء الحكومة من خلال بيانات توضيحية وجهت إلى «الجريدة الأخرى» ظروف وحيثيات إنجاز هذا «الاستطلاع» وتساءلوا عن طبيعة الروابط التي ينبغي أن تكون بين الشخصيات العمومية والصحافيين.
في هذا الصدد، اعتبر وزير الإعلام الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد نبيل بن عبدالله «هذا الاستطلاع المزعوم بمثابة إهانة حقيقية» و«ينم بوضوح عن نوايا سيئة والرغبة في الإساءة وأنا شاهد على ذلك». وأوضح بن عبدالله في تصريح ليومية «ليبراسيون» الناطقة باسم حزب الاتحاد الاشتراكي المشارك في الائتلاف الحكومي «لقد قلت بوضوح إنه من الصعب علي أن اختار علانية رجل أو سيدة السنة، وكانت الصحيفة المعنية قد أشارت إلى أنه لن يتم الإفصاح عن هوية المشاركين في الاختيار، وهو ما لم يتم احترامه»، معتبراً أن الأسلوب الذي اتبعته الصحيفة «يظهر مرة أخرى أن هذا الفعل، الذي تم تحت غطاء الحرية، لا يحترم أياً من القواعد والأخلاقيات إزاء مؤسسات البلاد»، مؤكداً أنه «حان الوقت لوضع قانون عن استطلاعات الرأي التي تضمن النزاهة والأمانة، وهو ما لم يتحقق في هذه القضية».
في تصريح آخر خص به هذه المرة يومية «رسالة الأمة» الناطقة باسم حزب الاتحاد الدستوري اليميني، اعتبر بن عبدالله أن «تقاليدنا وأعرافنا تفرض على أن صاحب الجلالة وبحكم وضعه الاعتباري، لا يمكن أن يصنف في مثل هذه الاستطلاعات، ما يعني أن الموضوعية تؤكد عدم وجود نية حسنة تامة لدى هذه الجهات في طريقة التعامل مع مثل هذه القضايا»، مؤكداً أنه «سلوك لا يليق بقيمنا وطريقة تعاملنا مع مبادئ حرية التعبير والصحافة، وما يمكن أن نصل إليه من خلاصات في هذا الشأن»، مضيفاً أنه «سبق للملك محمد السادس أن أكد أن المغرب في حاجة ماسة إلى قانون لاستقصاء الرأي ولايزال لم ينجز بعد، لكن الضرورة اليوم أضحت تستدعي تقنين وتأطير المساطر المنظمة لمثل هذه العمليات».
من جانبه، أكد وزير الشباب محمد الكحص أنه «من الواضح أنه في بلد مثل المغرب، فإن منافسة على نمط ستار أكاديمي لا يمكن أن تشمل، وبأية حال من الأحوال، مؤسسة تجسد ضمانة لمستقبلنا جميعا». وقال الكحص: «عرفت هذه القضية الكثير من السطحية واستغلال الثقة، لنقل إن ذلك كان تقصيرا، وهذا لا يشجع العلاقات مع الصحافة التي يجب أن تتأسس على الثقة والنية الحسنة. مازلت أتساءل: هل يمكن الإدلاء بتصريح للصحافة حين يصير التصريح أو الحديث كميناً».
من جهته ، أكد مستشار العاهل المغربي أندري أزولاي أن «الملك محمد السادس هو ضامن كل المؤسسات وحامي كل الحريات في البلاد»، مضيفاً «بالتالي فهو ليس موضع تنافس مع أي كان»، موضحاً أن تعمد التغاضي وتجاهل هذه الحقيقة البديهية التي تشكل جوهر مجتمعنا والأساس الثمين والأقوى الذي يقوم عليه الإجماع الوطني «نفي وإنكار للحس السياسي السليم في أبسط درجاته»، وقال إن هذا النوع من الاستطلاعات، التي تتم من دون إخبار من وجهت إليهم الأسئلة يشكل «ضربة قاسية للأخلاقيات التي تشكل أساس نبل مهنة الإخبار»، معرباً عن أمله في أن يرى أخلاقيات هذه المهنة تسود في يوم قريب جدا».
أكثر من ذلك، ذكر أندري أزولاي أن لديه «شعوراً تمتزج فيه المرارة بالحزن»، موضحاً أن شعوره بالمرارة ناتج عن إحساسه بأنه كان «ضحية حسن نيته». أما شعوره بالحزن فناتج «من كوننا جميعا فاعلين ومسئولين عن الفضاء الديمقراطي الذي نحيا داخله».
اعتبر أمين عام حزب التقدم والاشتراكية والوزير السابق إسماعيل العلوي أن نتائج «مثل هذه» الاستطلاعات «التي لا تحترم شروط النزاهة، غير موضوعية ولا أساس لها من الصحة»، مضيفاً أن الأمر «لم يكن يعدو مجرد طرح سؤال مفتوح عن شخصية السنة التي تفضلها، لكن لم يكن من اللائق إقحام الملك محمد السادس في عمل من هذا النوع، ما يجعله يمس بأخلاقيات الصحافة في بلادنا».
بدوره، قال عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية الإسلامي مصطفى الرميد إن الملك «له اعتبار خاص، ولا يمكن أن نضعه موضع مقارنة بأي كان».
أما وزير الإعلام المغربي السابق محمد العربي المساري الذي يشغل منصب عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، عبّر عن اعتقاده بأن الملك محمد السادس «يبقى شخصية كل السنوات»، مضيفاً أن «الجريدة الأخرى لم تعرض على المستجوبين أسماء لشخصيات معينة لكي يختاروا منها شخصية السنة، بل تركوا لهم الحرية في الاختيار، ومنهم من اختار الملك محمد السادس ومنهم من اختار مؤسسة أو هيئة أو حدثاً، ومنهم من اختار بنزكري».
من جهته، قال عضو الهيئة العليا للإعلام السمعي البصري الصحافي نعيم كمال فقد ذكر أنه نبه مسئولي «الجريدة الأخرى» وأفهمهم أن الملك شخصية كل المغاربة ولا يجب أن يكون محط اختيار من هذا النوع. وأكد أنه «حينما اخترت ادريس بنزكري شخصية السنة، فلأنني أؤمن بهذا المعطى، أي عدم لزوم إدراج الملك في سلم الاختيارات»، مشددا على أنه «لا ينبغي بأي شكل من الأشكال أن نقحم الملك بالنظر إلى وضعه الاعتباري والرمزي في عملية اختيار من هذا النوع».
افتتاحيات بعض من الصحف المغربية تناولت «موضوع الساعة» المغربي، وهكذا اعتبرت يومية «الحركة» ورداً على استطلاع «الجريدة الأخرى»، أن «الملك هو أول شخصية في المغرب على مدى السنين»، كما تؤكد ذلك المشروعات التنموية الشاملة التي ميزت الساحة الوطنية والتي تجلت بالأساس في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومختلف الأنشطة ذات الأبعاد والدلالات المختلفة».
من جهتها، قالت يومية «ماروك سوار» شبه الحكومية إن هذا الاستطلاع الذي تم عبر الهاتف خلق «بلبلة داخل الطبقة السياسية والإعلامية» كون أنه لم يكن أحد من المستجوبين يظن أن الملك محمد السادس يوجد ضمن لائحة المرشحين لهذا اللقب الشرفي». وأكدت أن «شخصية الملك لا يمكن أن تكون محل موضوع لأي نوع من التنافس على الشعبية». واعتبرت أن الاستطلاع «استغل لزرع فتنة لا طائلة منها ودنيئة ولا تشرف مؤسسة صحافية».
بدورها انتقدت «رسالة الأمة» الناطقة باسم حزب «الاتحاد الدستوري» اليميني المعارض، بشدة الشخصيات التي صوتت وجعلت ملك البلاد ثانيا.
رد صحيفة «الجريدة الأخرى» كان مقتضباً، وجاء على لسان مدير النشر فيها علي أنوزلا، الذي اكتفى بالقول: «لقد وجهنا سؤالاً مفتوحاً، ولم نحدد لأية شخصية من الشخصيات المئة التي صوتت، أسماء معينة فاعلة في العام ، والذين اختاروا الملك فعلوا ذلك لأنهم يعتقدون أن الملك فاعل سياسي داخل الحياة السياسية. نحن نحترم آراءهم، وهم من يتحملون مسئولية اختياراتهم»
العدد 1220 - السبت 07 يناير 2006م الموافق 07 ذي الحجة 1426هـ